كان خارجاً من سكنه متوجهاً لجامعته إذ يتعثر بها ماكثة على أعلى درجة من الدرج المفضي إلى البيت .. كانت الساعة الخامسة و النصف صباحاً ، لم تكن الشمس أرسلت ذهبها بعد ،
ابتسم و قال لها ألم تغفي بعد؟
ردت بهدوء انفلاق الفجر و هي تملأ رئتيها هواءً نقياً – لا لم أنم ،
لا أحب أن يضيع من عيني رؤية انقشاع الليل و انبلاج الصباح و أخذت تعبئ رئتيها من نسيم الفجر قدر طاقتها .
فقال لها حسبُك .. دعي لي بعضه .
نظرت إليه و ابتسمت ثم عاودت النظر إلى رقعة الأرض التي أمامها ، لم تحاول حتى إرهاق مقلتيها بتحريكهما عنها،
ابتسم ثانية و أغلق الباب و راح يهوى على الدرج درجة درجة في عجالة من أمرهِ و نظره معلق عليها و لم تنفك الابتسامة من شفتيه .
صوب سيارته متوجهاً ، إلا أنه و قف على بابها سرحاً فقد أعاد عقله مشهدها و هي تشهق الفجر إليه . تراجع يضم مفتاح سيارته ليستقر في حقيبته و عاد.
جاء يراقبها من بعيد بعين الآمان . لم ينبس ببنت شفه ،
اضطربت .. حين همّتْ أن تصحوا أجفانها لترتفع ناحية السماء تأخذ بتأملها نصيباً مفروضا . فإذا به !
شهقت من خطب رؤيته ..قالت وهي تزفر شهقتها . أنسيت أمراً ما ..؟!
قال .. بل تذكرت احتياجي الشديد لأن أجلس اليوم .
ما خطبك .. تكلم بوضوح .. لم أعتد أن أراك هكذا فجأة ..
قاطعها محاولاً محو أثار اصفرار وجهها ... لماذا لم تنامي ..؟
سننام كثيراً تحت الثرى ،
رد .. أليس لديكِ اليوم جامعة ؟
– لا – اعتذرت المُحاضرة عن المجيء لظروف خاصة .. فعزمت أن أجعل يومي للمتعة و أسلو عن الذاكرة قدر الإمكان .
ضحك نفس الضحكة التي تُرسل الأمان .. و استطردت.. لكن قلّ لي لِمَ لم تُكمل أنت للجامعة ؟!
ليرد.. غرتُ منكِ حين رأيتك عاكفة على استخلاص حلو الهواء من الصباح فقررت مشاركتك .. هل في ذلك خطأٌ ما ؟
و راحت نظارتهما تتبختر في وجه الآخر لأول مرة
لم تتكلم و إنما أصاب و جنتيها احمراراً و تفسحت له ،
صعدَ الدرجات الأربع ليجلس على الخامسة بجوارها ، يُديرا ظهريهما للباب المؤدي إلى سكنه و الباب المؤدي إلى سكنها .
فهما شريكان بالغربة و الدرج يقود إلى سكنيين منفصلين بجدارٍ مشترك .. كلٍ منهما له حياته الخاصة .. تجاورا ليستمدا من بعضهما الأمان بكونهما أبناء قطرٍ واحدٍ جمعتهم الدراسة بالخارج .
بعدما جلس بجوارها ، راح يدور بعينه لتستقر بالمكان الذي حط به بصرها . ترنح الصبح و أراح رحاله فوق رأسيهما ليزداد النهار نوراً على نور .. و قلبيهما تعصف به ريح خفيفة أصابت حرثهما بطيف / طائف دار بهما معاً .
في محاولة أن تتخلص من التوتر الذي داهمها فجأةً .. لم تجد بُداً من ترك الصباح محله و ترحل هي !
استقامت / ليلحقها ،
إلى أين – سألها و عيناه متحجرتان على قلبه الواقف يتطلع إليها بلهفةٍ ..؟
- سأعد القهوة هل تُريد ؟
بلي – قالها و هو يحاول تفرغت قلبه و عقله منها !
فور ولوجها سكنها أغلقت الباب خلفها كعادتها
و إذ بهما يزفران ملئ الأرض حباً و حيرة !
لم يخطر على باله .. هذا الرجل ذو الكبرياء المنتصب و العلوم الموفورة أن يُضيّع وقته ليتمتع بالصبح بجوارها / تلك الفتاة المترقبة .. المرتابة دائماً أن تُحرك له مشاعره و كأنه يراها لأول مرة !
أول مرة أراها !
نعم إنها أول مرة / أول رؤية !
هكذا كان يحدث نفسه بعد اختبائها خلفيهما / خلفه و خلف بابها ،
فقال ،
ماذا جرى ليّ ؟!!
من رشّ عليها السُكر ؟
من بعثر فوق جبينها و وجنتيها بريقاً بلون المرمر ؟
لأراها بدهشة النظرة الأولى !
كم مرة مررت على ملامحها
كل يوم - بل ألف ألف مرةٍ باليوم ،
بالصباح / بالمساء / بالجامعة / حين تأتيني تستنجدني من تلعثم طلب أمام ناظريها .
بالسكن حين كانت تتكرم لأجلي بوجبة بها طعم أمي و رائحة الحنين و عبق أرضي .
لم أكن أتخيل و لم يخطر على بالي ، أن تتجاوزي حدّ فكرتي منك ، أننا فقط خُلقنا من قلب و أحشاء أرضٍ واحدة و أنكِ لستِ أكثر من جارةٍ تحمل الحنين بين تقاسيم وجهها لوطنٍ فارقناه ، يُعاض عنكِ بأي أدم أو حواء أخرى ،
لم تكن لتفرق عندي من يقطن خلف الجدار المشترك بين وبينه ،
أتعلمين لقد توقعت رؤيتك في كل مكان ،
إلا ( قلبي ) !.
رأيت فتاة أحلامي ألفاً
رأيتها شمساً .. قمراً ،
شاهدت انطباعي عنها حين أراها و حين تراني
كأننا كنّا معاً زمناً و ليس كـ أول لقاء .
كم خاطرٍ مرّ عليّ ؟ كم امرأة من بنات فكري أحببتها ،
كم امرأة خاصمتها ،
كم فاتنة شاهدتُ انبهارها و انبهاري ؟!
كل تلك النساء كانوا من خيالٍ قريب إلى نفسي .. بعيدات عن واقعي / عنكِ ،
أنا من اخترعتهم من ألبسهن زينتهن و نفخ فيهن المشاعر التي تُرضيني !
وحدك ِ لم تشبهيهن و لا قاربتِ خيالي يوماً!
رأيت جُلّ النساء ، و لم أتوقع أن أصحو على نبش يأتي إليّ / أنتِ ! .
هي / نسيت القهوة و اختلت بخيالها
تطوي جزءاً لها من ذات اليمين إلى ذات الشمال ، تلمم بعضها بعضاً ،
و تقول أحقاً ما حدث ، أن تكون أسطورة الحب التي لطالما حلمت بها – هو ؟!
هل كنت قريبة إلى هذا الحد أو أدني لدرجة لم أره ؟!
يا رب الدجى و إله الكونين عن أي قصة أتحدث عن أي خيالٍ أتصور ؟!
راحت لا تسمع بيومها غير نجاة الصغيرة – تدندن بِلحن عبد الوهاب
ماذا أقول له .. لو جاء يسأُلني إن كنت أكرهه أو كنت أهواه ؟
كان يتسّمعُ عليها ،
يشعر بأنها تشدو إليه .
حتى انبلج الصباح لِ يضرب بعرض الحائط خيال طول نهاره و فكر مداد ليليه .
و لم يعيّ لكلام نزار قولاً سوى – الحب في الأرض بعض من تخيُلينا .
استيقظ كأن شيئاً لم يكن بدا يمارس طقوس حياته الطبيعية ببراءة ،
كأنه لم يقتل جزءً بقلبه كاد يتفتق .
عَلمت به ؟ نعم
عَلمَ بها ؟ نعم
غير أن صلف الأحبة أضاع من الحب قصة تكاد تكون متكاملة .
غرقت بداخل هذا النص..
وصلت للختآم..ولعلامة التعجب!
دون أن اشعر الا بالاحباط..لان الحرف ختم,,
هنا يحق لي انا امارس الطمع بطلب المزيد من هذا الحرف الشهي..