إضاءات تربوية

الاتصالات دكة الحوار
الملعب العالمي سوالف حريم
سلسلة وزارية مساطيل دراما
الكتيبة المقهى


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10-11-2011, 03:28 PM
مشاركة رقم المشاركه : 11
Shdoon
حضوره مُختلف
 
الصورة الرمزية Shdoon
الملف الشخصي






Shdoon غير متواجد حالياً

الزوجة العذراء

 

الزوجة العذراء / قماشة العليان
من مجموعة الزوجة العذراء القصصية

وقفت امام المرآه الكبيره تمشط شعرها الأسود الكثيف...انها تستعد للذهاب

لقد قررت ان تذهب وليحدث مايحدث..لن يحدث لها اكثر مما حدث...تطلعت الى المرآه بياس وهمست:
-لماذا ياربي خلقتني هكذا؟دميمة لماذا لم تهبني ولو مسحه من جمال؟ لماذا ابدو الى جانب اختي مريم كالقرد المشوه!!لماذا هي جميله وانا لا؟
وتحدرت الدموع على خديها لتغرق وجهها النحيل الأصفر ولكن لا
قفزت بسرعه ومسحت دموعها بكفيها وهي تقول لنفسها بصوت خافت:
تنقصني الثقه بالنفس...دائما انا هكذا استعد للذهاب وكأنني اخشى المواجهة...كلا...اليوم فقط يجب ان ان تكون لدي الشجاعه لأذهب وأواجه الجميع بدمامتي ولايهمني ماسيقولونه عني...
في لحظات كانت قد استعدت وارتدت ثوبها الأسود وققفت تنظر لنفسها في المرآه..السواد..لماذا السواد...وهمت بأن تغيره عندما فتح الباب ودخلت عليها والداتها امرأه في العقد الخامس من عمرها....جميلة جمالا مبهراً
وان كانت السنين قد اضفت على جمالها مسحه من وقار....نظرت اليها بقسوة وقالت:-سارة الم تكملي بعد ارتداء ملابسك...والدك ينتظرنا في السياره هيا بسرعه
وقبل ان تخرج التفتت اليها قائله:مريم اختك انتهت من زمن طويل وانت لاتزالين تنظرين لنفسك في المرآه ياسبحان الله!!
<<دائما مريم...كل شيئ لمريم الجمال والثياب والحب والدلال..وانا لاشيئ انها اختي ولكنني اكرهها بل امقتها...غصبا عني>>>
نظرت لوجهها في المرآه نظرة اخيرة عيناها ضيقتان وانفها كبير المحدب كأنف صقروفمها الواسع وشفاتها الغليظتان ووجها الشاحب الهزيل وشعرها المجعد المنفوش ..لاشيئ فيها جميل تنهدت بيأس وخرجت من الحجرة تقدم رجلا وتؤخر رجلا ولكنها مصممه ان تواجه الناس بوجهها القبيح انهم لايرون فيها الا هذا الوجه...يالهم من ناس لاتهمهم الا القشور اصطدمت عيناها عندما خرجت بجمال اختها
الباهر....انها تاخذ كل ملامح والدتها القامه الفارعه الهيفاء وشعرها الاسود الحريري..وعيناها الواسعتان وفمها
الجميل وكادت تتراجع كالعاده ولكن لا ان عقلها الان هو الذي يقودها كفاها جبناً وخضوعا لا لن تتراجع بعد الأن نظرت الى اختها مريم نظرات تقطر بالمره وهي تقول:-هيا...
قالتها بخمول وكأنها تقول لن اذهب وبادلتها اختها نظره فاحصه وقالت هي الاخرى:-هيا بنا
قالتها بنشاط وحيويه ابنه الثامنه عشر
وفي السياره كالمعتاد جلست ساره وامها في المقعد الخلفي بينما مريم جالسة بثقه في المقعد الامامي وذلك حتى يتباهى ابوها بجمالها امام الناس هكذا يقولها ابوها مرار وتكرار
ألقت برأسها على المقعد وهي ساهمه..سمعت صوت ابيها وهو يقول ممتدحا ابنته الصغرى مريم:-ماكل هذا الجمال اني اغار عليك من ان تكوني ابنتي
وصفعت اذنها ضحكه امها السعيده وهي تقول:-مريم ستحجب عنا الانظار لجمالها لن يرانا احد الى جانبها شياء على الاطلاق
لمعت الدموع في عيني ساره لكنها اخفتها بسرعه رهيبه خشية ان يلمحها احد وهي تبكي ولماذا تبكي؟
ان الله خلقها هكذا دميمة لاتستطيع فعل بدمامتها شيئا انها تغار من اختها الى حد الكراهيه
وعندما وصلوا الى مكان الحفل لفتت مريم اليها الانظار بجمالها الباهر
وثقتها بنفسها التي لاحدود لها وانزوت ساره في ركن مظلم تجتر احزانها وتندب حظها العاثر
ولكن حدثت مفاجاه في الحفل مفاجأه صاعقه...لايمكن احد يتصورها ولايمكن يصدقها انسان..
لقد خطبت ساره..نعم سارة وليست مريم الحلوة..الجميله الرشيقه
خطبت ساره القبيحه المحرومه من الجمال ..خطبتها احدى السيدات لأبنها سعيد...ابتسمت الأم وهي تجيب:
-تريدين خطبة مريم بالتأكيد...
ولكن السيده ردت عليها بحزم:-كلا نريد ساره هكذا اوصاني ابني...
ذهلت الأم تبعثرت الكلمات داخل جوفها ولم تنطق....وبعد فتره صمت طويله اجابت الام بفرحه ممزوجه بالدهشه:
-تقصدين ساره ابنتي الكبرى انها تلك التي ترتدي الفستان الأسود
اجابت السيده بإصرار:-نعم انها هي هي التي يريدها ابني
صمتت الأم وهي تفكر بسرعه...كيف يكون هذا...لقد انقلبت الموازين..سارة الدميمة تخطب بينما الاخرى الجميله لم يتقدم لها احد حتى الان
ولكن هذا مستحيل..اين راها هذا الشاب وكيف عرفها حتى يقصدها بطلب الزواج انه بالتأكيد مخطيئ...
افاقت الأم على صوت ام سعيد وهي تقول لها:-ماذا قلت ياأم صالح..متى نأتي الى بيتكم لنطلب يدها من والدها رسمياً
ترددت الأم قبل ان تقول:-اهلا بكم في اي وقت ولكن..لي شرط ياأم سعيد..وهو يجب ان يراه سعيد
وخرجن من الحفل والأم لاتصدق نفسها وساره بادية الوجوم والارتباك وكأنها عرفت مايدور حولها...ومريم مرحه لاهيه كعادتها دائما
لاتسأل عن شي
وخلال ايام بدأ الأهتمام يحيط بسارة في البيت..الكل يهتم بها..الكل تناسى قبح وجهها
امها تدللها وابوها يشفق عليها واخوانها الاربعه يتطلعون اليها في دهشه
اما هي كانت في غنى عن ذلك كله كانت لها احلامها الخاصه..كانت تغوص في بحار نقيه من السعاده والدهشه وتتساءل بينها وبين نفسها معقول..أنا القبيحه هناك من يرغب في ان يزوجني ولماذا..وماذا يريد مني.....
تعود وتبحث في نفسها...
<<ربما انا جميله..ولدي مواطن جمال خفيه لااعرفها..ولكن لا..عيناي الضيقتيان وانفي القبيح ووجهي...لا لست جميله ربما يريدني لشي اخر غير الجمال..ربما جذبه تعليمي نعم..انا متعلمه تعليما متوسطاً وليس عاليا لكن....لا ...ربما جذبه نسبي...انني من عائله محترمه ومرموقه
اذن لماذا لايخطب اختي...فهي تملك المال والجمال والتعليم
ولكن لا...ربما لايريد هذا كله...ربما يريدني انا فقط دون سواي ربما احبني
في خلال اسبوع تقدم سعيد ووالده لخطبة سارة ودخلت والدته وهي تحمل الهدايا لسارة وسط دهشة الجميع وفرحتهم في آن واحد
وفي نفس الليله راها سعيد بناء على طلب العائلتين معا انها تتذكر وقوفها في المراه حاولت قدر الامكان ان تبدو حسنة الشكل انها لاتنسى معركتها مع شعرها المجعد واخير روضته
واضفت الاحمرار الصناعي على خديها الشاحبتين ولكن ماذا تفعل بعينها وانفها وشفتيها؟
لن تستطيع كل ادوات التجميل ان تغير كل هذا فهي قبيحه
امتلاءت عيناها بالدموع ولكن غطتهما بسرعه وكأنها ترفض الدموع وترفض التساعه
لاتعاسه بعد اليوم..ارتدت ثوبها الأحمر الجديد الذي اشترته امها خصيصا لهذه المناسبه...ثوب جميل يبرز نحافه خصرها وهذا مارادته امها
<<اه لاباس اني املك على الأقل خصرا جميلاً>>قالت ذلك لنفسها بصوت خافت
ومررت بالأحمر على شفتيها الضخمتين وخرجت من الحجره
وكادت ان تعود من حيث اتت بعد ان رأت جمال اختها بالمقارنه لها..ولكن لا ...لن تهزم
هكذا قال لنفسها وهي تحاول استعاده هدوئها..وسارت ببطء نحو حجرة الضيوف وهي تفكر بصمت..وجهها جامد..لاحياة فيه..
ستغامر بكل شيئ هذه هي انا والا فليذهب الى الجحيم...ولكن لا...دوت صرخه في اعماقها اذا عدل عن رغبته في الزواج منها فسوف تفقد الثقه بنفسها ..لا...بل سوف تنتحر لن تتحمل الصدمه..حاولت ان تطرد كل هذه الأفكار من راسها
وامها تناولها اكواب العصير البارد لتقدمة للضيوف وتقدمت بخطوة ثابته ودخلت وهالها مارأت!!
يالها من مفاجأأه مدهشه
لقد جمدتها المفاجأه.........
لم يقل لها أحد.؟ لماذا لم يخبرها أهلها..؟ووالدها...لماذا سكت..؟لماذا لم يقل لها بأن العريس أقبح منها
بل أقبح رجل في العالم!!!
إنهاا لم تر رجلاً في حياتها بهذا القبح الشديد..انها بالمقارنة اليه ملكة جمال...
قصير القامة..نحيل..هزيل..قميء..وجهه يصد الناظرين اليه لدمامته..
عيناه كبيرتان غير مستقرتين..حمراوتان..وأنفه مفلطح كأنف زنجي..وفنة واسع بدون شفتين على الأطلاق
ورأسه الأصلع يبرق على ضؤ النور الكهربائي الساطع
صدمت ..صدمة شديده..صدمة جعلتها تضحك بشده على غير عادتها..
وأول مره في حياتها تضحك بهذه الطريقه وليس وحدها ... بل امام ضيوف ومن؟
ضيوف يخطبونها..
نهرها اخوها الأكبر واخرجها بقوة من الحجرة ووجهه محمر من شدة الحرج..
صفعتها امها في المطبخ وهي تقول لها بقوة:-من تظنين نفسك؟انه الوحيد الذي يناسبك..ولن تجدي غيره زوجاً!..
صدمتها هذه الكلمات اكثر من صدمتها بعريسها القبيح..فتساقطت الدموع من عينيها بغزارة ولم تنم تلك الليله..وكيف تنام؟وصورة هذا الوجه المشوه يأتيها حتى في احلامها..هل حقا كتب عليها ان تتزوجه..تتزوجه هو؟نعم..ومن هي حتى تشترط الزوج الوسيم..ليست الا فتاه شوهاء لايخطبها الا امثالها..وبكت
بكت بشده وهي تعرف انها لن ترفض هذا العريس
وكيف ترفضه ولم يتقدم لها احد غيره حتى الان ولن يتقدم..انها الآن في 24من عمرها ومن يدري اذا رفضت هذا فقد تبقى عانسا طول العمر..وهي لاتريد ان تصبح عانساً
تفضل الموت على ذلك..تريد اي شي يعيد الثقه الى نفسها..ولن يعيد اليها هذه الثقه الا اذا اصبحت زوجة..
ليس مهماً زوجة من..المهم ان تصبح زوجه.
لتهرب من كلام الناس..ومن جمال اختها ..ومن نفسها
وحالما اشرقت شمس اليوم التالي..اسرعت راكضه الى امها ووجها تبدو عليه اثار السهر والبكاء وقد ازداد قبحا على قبح..
واعلنت الموافقه!
ابتسمت الأم بسعاده وهي تشعر وكأن هماً ثقيلا قد انزاح عن كاهلها..وقالت لأبنتها وكأنها تلومها:-ولكنك اغضبتهم امس ياسارة بضحكك المتواصل..سأحاول ان اعتذر للأم في الهاتف وليتها تقبل اعتذاري
وفعلا قبلت ام سعيد اعتذارها ..ولماذا لاتقبل..انه لاتوجد فتاه في الدنيا تقبل بابنها زوجا..
فعلا حضر اهل سعيد في اليوم التالي ليتفقوا مع اهل سارة على موعد عقد القران...
وسارة تتأرجح مشاعرها بين الخوف والرجاء,,
انها لاتعرف هذا السعيد..لم تعرف عنه سوى وجهه واسمه..ولكن ما يدريها ..ربما كان انسانا بمعنى الكلمة..ربما كان طيب القلب..ان الشكل عاده لايدل على شيئ
فهي قبيحه ولكنها طيبه الى ابعد الحدود
واختها مريم فائقة الجمال..لكنها انانيه ومعقده ومغرورة
وابوها..انها تشبهه رغم انه اجمل منها قليلا..انه طيب القلب جداً..ولكنها تشعر بأنه يكرهها..وربما لانه تشبهه..وهذا ليس لها يد فيه..انه من سخرية القدر..
وعقد قران سارة وسعيد دون حفل يذكر..اقتصرت الدعوة على العائلتين فقط..وقليل جدا من الأقارب وهي التي اصرت على ذلك
سارة لاتريد حفلاً..اي حفل..لاتريد ان تكون مضحكة للناس..لمن يعرفها ومن لايعرفها..سيسخرون منها وسيضحكون على اختيارها لزوجها بالتأكيد
وسيتندرون بشكلهما معا وهما في ثياب زفاف..انها تعرف كل ذلك..بل واكثر سيقارنون بين جمال اختها وقبحها..وسيصبح زوجها لاشيئ الى جانب هيثم ابن عمها الذي عاشت العمر كله وهي تحبه وتنتظره..ولكنه لم يلتفت اليها ولدهشتها الشديده لم يبهره حتى جمال اختها وتزوج فتاه اخرى من خارج العائله..ليست دميمة مثلها ولكنها ليست جميله في جمال اختها
اجتمعت بها امها ذات صباح بعد عقد القران ..واخبرتها ان العريس متعجل ولايريد التأجيل ويجب ان يحددا معا موعدا للزفاف والذهاب الى بيت زوجها..
ارهبتها الفكرة..فلم تكن تنوي ان تصل معه الى هذا الحد..ان يقفل عليهما باب واحد..وان تجمعهما غرفة واحده..بل وفراش واحد..انها ليست صغيرة على الزواج
وتعرف هذا جيداً...
ولكن كيف تتحمل ان تتطلع الى وجهه دون خوف .. دون رهبة..
انها تعترف انها دميمه ولكن ليس في ملامحها ذلك الشيئ المنفر الذي تراه على وجهه..نعم ان شكله مخيف..انها خائفة وحزينة..اتصرخ في وجه امها الان وترفض الأمر برمته وترتاح...
ولكن انها لن ترتاح ..لن ترتاح وهي تعرف جيدا انها لن تتزوج بعد ذلك ابداً..لن يتقدم لها احد..واذا فرض وتقدم لها احد فربما يكون اسوأ وابشع من الأول..لا.انها فرصتها في الحياة ولن ترفضها..
يكفيها انها ستكون اجمل منه..ولن تدعه ينسى هذا ابداً ..ولسوف ترتاح من جمال اختها ومعايرة امها لها طوال الليل وطوال النهار بأنها قبيحه..حتى اخوتها لم تسلم منهم..يكفيها نظرات والدها لها وهو يمصمص شفتيه بألم وحسرة
..نظراته تعذبها..تشعرها بأنها اقل من اختها بل واقل من فتيات الدنيا باسرها....
افاقت على صوت امها وهي تسألها رايها في الموضوع..ابتسمت لأمها ابتسامة حزينة مثيرة للشفقة وقالت بصوت يائس:-الرأي لك ولأبي
ضحكت امها وهي تقول لها هامسه:-لن اوصيك بزوجك ياأبنتي..انت تعرفين اكثر مني انه...
وصمتت..وطال صمتها ...احست سارة بأن امها تريد ان تقول لها شيئا ولاتدري ماهو...
اخيراً نطقت الأم بعد تردد كبير..
-اكرمي زوجك ياابنتي ..لن يكون لك غيره..لن تخرجي من بيته الا الى القبر...
القبر..
افزعتها الكلمة فلم تنظر الى امها..وهمست لنفسها..<ومايدريك ياأمي فربما هو القبر نفسه>..
استغرق تجهيز سارة عده اسابيع قبل ان تزف الى زوجها..تركت كل شيئ لذوق امها فهي تعرف مايناسبها اكثر منها..اختارت لها امها مجموعة من الثياب الجميلة ومجموعه اخرى من قمصان النوم الفاخرة
كلها اشياء جميلة..وكأنها تعوضها بها عن جمال ابنتها..
ايضاً دخلت الى زوجها دون ضجيج وبدون حفلات..كانت رائعه في تلك الليله رغم قبحها
ان للعروس هيبة خاصه لايهم فيه جمال وجهها..
وبدا هو في حلة الزفاف كأقبح مايكون..ولكن هناك شياء غريباً ظهر على وجهه في تلك الليله عيناه زائغتان..وجسمه يهتز..ويداه ترتجفان..وكأنه خائف من شيئ ما..
انها لم تلاحظ عليه شياء من هذا رغم ان المدعوين من جميع العائلتين قد لاحظوه..كما لاحظوا ارتباكها هي ايضاً والعرق الغريز الذي يتصبب من جبينها..
رغم ان مكيفات الهواء كانت تعمل انذاك..
واصطحبها زوجها الى بيت الزوجية..وحالما اقفل عليهم باب الحجرة حتى قال لها:-اريد ان اقول لك شياء هاما في البداية..
صمتت وهي لاتنظر الى وجهه..تابع وهو يحاول ان يبدو متامسكاً..
-انني لاادري ماذا اقول لك..ولاكيف ابدأ..ولكن ارجو منك ان تفهميني..ربما تكون صدمه لك ولكن كل ماأرجوه ان تقدري موقفي..هل تسمعيني..؟
واجابته بإيماءه من رأسها دون ان تنطق ففاجأها بقوله:-اتدرين انني ..اقصد..اعني...انا انسان عاجز...
نظرت اليه بسرعه وهي مشدوهه وغير مصدقه.....
نظرت اليه وكأنها تنظر الى كائن غريب من كوكب اخر
واخيرا
وبعد ان زالت اثار الصدمة شهقت بفزع..
ثم شهقت وهي تبكي وتشرق بدمعتها...
ولم تنبس ببنت شفه..
والغرفه صامته..غارقه في صمت لايقطعه سوى بكاؤها ونحيبها ولم يتكلم هو وانتظرها حتى تنتهي من البكاء..
ولكنها استمرت تنهنه بصوت خافت..واسندت راسها على حافة السرير ونامت وسط دموعها...
ولم يقربها سعيد في تلك الليله تركها وخرج..ولم تدر اين نام هو..ولاكيف
وعندما نهضت من فراشها صباح..
لم تذكر اين هي واستغرقت عدة دقائق وهي تتذكر ماحدث لها واصيبت بغصه في حلقها وهي ترى صورتها في المرآه..ان عيناها متورمتان من كثر البكاء..
انها لم تبك ابدا بمثل هذه الصورة..
انها لاتبكيه..بل تبكي نفسها..وتبكي حظها
أمعقول ماحدثها به البارحه؟
ام انه يهزل؟
لاشك بأنه يهزل معها..انه أمر لايصدق..ولايحدث الا نادرا..
ولكنها قررت ان تسأله اليوم عما اخبرها به البارحه وتستحلفه بكل غال لديه بان يقول لها الصدق
ولكن لماذا يقول لها هذا؟وماغرضه من هذا؟ومايرمي اليه؟واذا كان ماقاله صحيحا فلماذا قاله لها البارحه بالذات؟ليلة زفافهما..
هل يريد ان ينفرها منه..ولكن لماذا؟ اسئله كثير تدور في مخيلتها دون جواب!!
قررت ان تواجهه وتسأله عن كل شيئ..
وخلعت سارة ثوب زفافها الأبيض بسرعه ولبست ثوب احمر بسيطا..ان اللون الأحمر يضفي عليها جمالا خاصا..
ولكن لماذا تريد ان تكون جميله بنظرة..هزت كتفيها بيأس..وترددت قبل ان تخرج من الحجرة ..كلما مدت يدها الى مفتاح الباب تعود بسرعه الى المرآه لتتأكد من شكلها..واخيرا قد عزمت على الخروج..لم تجده في الصاله..
سارت في ارجاء البيت تتفقده..ولم تجد له أثر..صدمت!!!
..عريس يخرج في صباح ليلة الزفاف!..بالتأكيد هو مجنون..
تناولت طعام افطارها مما وجدته في الثلاجه..
وجلست بعد ذلك تنتظره على اريكة في الصاله ومضى بها وقت وهي تزداد غيظا.ولاتدري ماذا تفعل اذا قدم اهلها ليطمئنوا عليها او حضر اهل العريس..
قد تخبرهم بما حدث؟اما تقول لهم ان العريس جن..ام ماذا تقول؟
وفعلا سمعت صوت الجرس..انه جرس الباب..
وقفت حائرة هل تفتح الباب ام لاتفتح..ربما يكون هو..سعيد..ولكن مستحيل لان معه مفتاح للباب ...لالاربما اهلها قد اتو
كيف تواجههم ماذا تقول لهم بدون زوجها؟
وماذا يقولون عنها..لا..ولكن الساعه الان8صباحا ومن غير معقول ان يأتوا في هذه الساعه المبكرة..اذن من يكون الطارق؟
دقات الجرس تتوالى دون انقطاع..
واخيرا طرقات شديده على الباب..وهي حائرة تفكر هل تفتح او لا...؟
واخيرا سمعت من ينادي اسمها من وراء الباب..ساره افتحي ياساره.
.تنبهت وعرفت الصوت..نعم انها ام سعيد ..ركضت لتفتح الباب وهي تتساءل عن سر مجيئها في هذه الساعه المبكرة..
فتحت الباب ودخلت الأم
وفي عينيها نظرة قلق ورهبه وواجهتها سارة بنظرات هادئة ثابته رغم مايبدو عليها من قلق...وسألت عن سعيد
فأخبرتها سارة وهي تجتر احزانها..
وفهمت بعد ذلك ان الأم تحاول بشتى السبل ان تعرف ماذا دار بينهما البارحه..
ولكنها لم تعرف منها شيئا ولم تستشف شيئا من وراء صمتها..
فخرجت وهي تبتسم كعادتها ووعدتها بأن تزورها مع اخوات سعيد في وقت لاحق..
واغلقت سارة الباب وراءها وهي تنهد بيأس..
وفي الساعه11 احست بمفتاح يدور في الباب الخارجي فتظاهرت بالنوم..
ودخل عليها سعيد بالحجره..ورغم تظاهرها بالنوم لم تستطع ان تكتم شهقة الفزع وهي تراه يدخل في هيئة رثه
ثيابه ممزقه..ووجهه القبيح مليئ بالخدوش والدماء!!..وقبل ان تتحرك من فراشها قال لها:-ابق في مكانك ..لاشيئ ذا بال..لقد تدخلت في معركة بسيطه مع قريب لي...
ولكنها احست باحساس داخلي بانه يكذب..
ولكنها احست باحساس داخلي بانه يكذب..
ولم تسأله اين نام البارحه..بل لم تسأله عن اي شيئ على الأطلاق..
فضلت ان تسكت على مضض..ومايهمها من أمره حتى ولو كان زوجها..لقد تعودت طوال حياتها الاتتدخل في شئون احد
ان الأمر لايعنيها في شيئ..ولايمسها لامن قريب ولامن بعيد..هكذا هي لالاتدخل فيما لايعينها ولكن هذا زوجها..وأمره يعنيها بالتأكيد..فهي شريكته في حياته..ولكن لا..فليذهب للجحيم..انها تعودت الا تتدخل في شيئ لايخصها..
وعاد سعيد الى غرفة النوم بعد ان اغتسل في الحمام..
وما ان راته حتى احمرت وجنتاها خجلا واضطرابا ولكنه قال لها بصوت هادئ:-سارة ارجوك اخرجي اريد ان انام..
صدمتها كلماته ولكن ليس اكثر من صدمتها بزوجها فخرجت بسرعه من الحجره وكانها تهرب من نار
واخذت تفكر في الرجل الذي تزوجته..انه فعلا غريب الأطوار كما اخبرتها امه..ترى اين نام ليلة البارح..ولماذا تأخر في العودة..ولماذا يعود بهذا الشكل المزري؟
وفي غمرة التفكير سمعت رنين الجرس اسرعت لفتح الباب..لقد كانوا اهلها..فرحت بهم فرحة انستها ماكانت تعانية منذ لحظات..
راعها جمال اختها فتذكرت قبحها وان كانت نسيته لفترة واحست بكل عقدها ونقائصها تعود قوية كما كانت ولكنها حاولت ان تنسى
جاهدت كثيرا لتبدو امامهم عروس سعيده
نظرت اليها امها نظرة ذات مغزى وقالت:-سارة اريدك جانبا..
اخذت امها الى حجرة جانبية وهي تعلم مقدما ماذا ستقول لها امها..
وفعلا سألتها نفس السؤال..وتاهت افكارها وهي تجيب امها اجابة مطمئنة لتريح امها وتريح نفسها..
وفعلا رات علامات الارتياح على امها
سالها ابوها عن زوجها فاخبرته انه نائم...
ابتسم ابوها ونظر اليها بخبث..فاحمرت وجنتاها من الخجل رغم ادراكها بان لم يحدث شياء
وبعد فترة قصيرة ودعها اهلها وخرجوا..
وعاد اليأس يلفها من جديد..
عند الغروب استيقظ سعيد من نومه فاستقبلته فرحه باستيقاظه ولكنه لم يكن فرحا على الاطلاق..
سالها اذا كانت تريد ان تتعشى بالبيت ام في خارجه..
سالها هذا السؤال بروتينيه ممله وكانه لايريد ان يتكلم
وقالت له بصوت خافت:-اريد ماتريده انت..
فنظر اليها طويلا قبل ان يقول:-هيا ألبسي ثيابك لتخرجي
كان الوقت الذي قضته معه للعشاء من اسواء اوقاتها على الاطلاق ..
كان العشاء سخيفاً...وكان هو اسخف..ومضى الوقت مملاً وبطيئا وهما لايجدان مايتحدثان عنه..
وعاد الى البيت والبرود لايزال يلفهما وما ان ضمتهما حجرة النوم..حتى قال لها بصوت مرتجف:-اعلم ان اهلك قد حضروا لزيارتك واعلم انك لم تخبري احد بشيئ..وارجو اان تكوني عند حسن ظني ولاتخبري اي مخلوق
وتشجعت قبل ان تقول:-وماهو الذي بيننا..؟
واحست براحة كبيرة وهي تنطق هذه الكلمة لما رات على وجهه علامات الدهشة والتعجب..
احست انه يعاني بصعوبه ليبحث عن اجابه ثم اجابها بحده:-انت تعرفين ماهو الذي بيننا ولاحاجه لااعاده الكلام...
ولكنها ردت بسرعه<<ولكني حقاً لااعرف..انت لم تخبرني بأي شيئ على الأطلاق>>
صمت طويلا وكانه يفكر قبل ان يجيب:-انا وحيد امي بين خمسة اخوات بنات كما تعلمين..ومرضت مرضا طويلا اصبحت بعده فاقد القدرة على القيام بالواجبات الزوجيه..انا لااطلب منك المستحيل ولكن امنحيني فترة من زمن ربما شهور او اكثر
وفي غمرة احساس سارة بالحزن
سمعت الباب الخارجي وهو يغلق..ولكنها خرجت لتتأكد..بحثت عنه في الصاله وفي المطبخ وفي الحمام وفي كل غرف البيت ولم تجد له اثر
ماذا يقصد من هذا كله..
ولماذا يخرج كل ليله على هذه الصورة؟
ولماذا تزوجها؟
وماذا يريد منها بالضبط؟
وماهي الحكاية؟
لابد ان في الامر سر...ولم تفكر كثيرا
نامت بهدؤ لاعلى السرير بل على فراش قديم وجدته في احدى الغرف وضعته جانب السرير ونامت.
.وصممت الا تقرب السرير فليس من حقها ان تنام عليه.انها تكره وتكره صاحب المنزل وتكره امها واباها وكل شيئ
ونهضت في الساعه 11على يد تهزها ..
فتحت عيناها لترى الساعه فدهشت لنومها كل هذه المده..
التفتت لترى وجهه القبيح وقد امتلاء بالدماء والخدوش وثيابه ممزقه
شهقت بفزع اكبر مما كان في الأول
افزعها ان يتكرر ذلك للمره الثانيه وعلى يومين وفي نفس الوقت...
وافاقت من دهشتها على صوته وهو يسألها برقه:-لماذا لم تنامي على السرير البارحه؟
-ولماذا أنام عليه...
-لأنه سريرك ويجب ان تنامي عليه...
صمتت وهي تستجمع قواها لتسأله السؤال الذي كان يدور في رأسها في تلك اللحظه..-سعيد..اين كنت البارحه..ولماذا لاتنام هنا؟ولماذا يبدو شكلك هكذا مالأمر؟
همس بصوت خافت..-لاشيئ...
وادار لها ظهره وخرج من الغرفه..احست بحنق شديد والغضب يتصاعد داخل نفسها..
ماها الذي يحدث؟هل هي عروس سعيده..ام ضابط شرطه لتحل كل هذه الألغاز التي تتوالى منذ تزوجته...لا..لن تتركه هكذا...
ان في حياته لغز يجب ان تعرفه..وبعد ذلك تقرر اذا كانت تستطيع ان تعيش معه ام لا...
نهضت بسرعه من فراشها وطوته سريعا واحتارت اين تضعه
ثم اسرعت تبحث عن زوجها قبل ان يخرج...رأته وهو يغتسل في الحمام وخرج دون ان ينظر اليها ودخل حجرة النوم..ولكن لا..لن تدعه يجب ان تواجهه ويضع النقط على الحروف
لحقت به الى الحجره..
نظر اليها بدهشه وقال:-ساره ارجوك اريد ان انام..اتركيني من فضلك..
تعثرت الكلمات داخل جوفها ولم تدر ماذا تقول...وخرجت تجر اذيال الخيبه ..ولكن لا...
ستنتظره حتى يستيقظ وتسأله ولن تخاف........وجلست تحضر الكلمات التي سوف تقولها له..وتنتظره على احر من الجمر فاحست بهدؤ يلفها
لاصوت لاضجيج..وحنت الى بيت اهلها الى كل شيئ حتى المشاكل..الى مراتها الكبيره
والى سريرها والى مخدتها المبتله دائما بالدموع..والى اختها ومشاكلها معها..والى ادق الاشياء..لقد كانت سعيده هناك..احسن حالا مما هي عليه الان..ليست زوجه وليست عازبة
في السادسه تماما خرج سعيد من الغرفه..
وقفت ساره مرتبكه تصف الكلمات التي ستقولها..ولكن هربت منها الكلمات..سألها بصوت هادئ:-هل تريدين الخروج معي؟
صمتت وهي تفكر بسرعه...وعقلها يلف مليون لفه في الثانية الواحده..فسألها مره اخرى:-لماذا لاتردين هل تريدين الخروج معي؟
خرج صوتها مرتعشا خائفا رغم انها حاولت جاهده الا يبدو كذلك..-اريد اولاً ان اناقشك في امر هام
رد باستهزاء وسخريه:-وماهو هذا الامر الهام..
تجاهلت سخريته وابتلعت ريقها قبل ان تقول:-هناك اشياء كثيره في حياتك لاافهمها..منذ تزوجتك وانا اشعر انني امثل فيلما خياليا او اعيش كابوس رهيبا..اريد ان افيق منه..ولااستطيع..انني اعيش ايامي في خوف ورعب ولاادري متى تاتي ولامتى تخرج ولا اين تنام ..ولا..
قاطعها بصوت جاف-قلت لك لاتساليني الان عن شيئ وستعرفين كل شي لاحقا
قالت بصوت مخنوق:-قل لي بصراحه لماذا تزوجتني؟
صمت طويلا قبل ان يقول:-نخرج الأن ام اخرج وحدي...
ولم تحتمل كل هذا التجاهل فانهارت في بكاء مرير وقالت بصوت تقطعه الشهقات:-اخرج لوحدك.
ولم يشفق عليها وتجاهلها وخرج
خطرت لها فكره لماذات لاتبحث في مكتبته وتفتش اوراقه
ذهبت مسرعه الى حجرة المكتبه ورات اوراق كثيره مكدسه في كل مكان على المكتب وعلى الكرسي وعلى الارض
جلست وراء المكتب ومضت تقرأ الأوراق الكثيرة المتناثره في كل مكان بعضها اوراق امتحانات وبعضها اوراق خاصه بعمل زوجها في التدريس
واسماء طلاب
وكتب الثانوية العامه لزوجها...
لاليست لزوجها..انها لطالبه اسمها فوزيه!!!!
انها اخته اسمها الثاني كاسم عائلته...لالالالالالالا ليست لزوجها اخت اسمها فوزيه
ربما هي احدى بنات عمه وهي لاتعرفهم انها لما تسمع بهم اطلاقا
ولكن من احضر كتب هذه الفتاه الى هنا...؟
ترى هل كانت حبيبته ام ماذا؟
ربما كان يدرسها هنا في هذا المكتب..ربما هي جميله...
اخذت تبحث بهدؤ في ادراج المكتب كلها ولم تجد شياء لكن هناك درجا واحد مقفلا بمفتاح ولم تستطع فتحه
اخذت تبحث عن المفتاح في كل مكان واستهوتها الفكرة ونسيت معها الالمها واحزانها واسرعت ركضا الى حجرة نومها تبحث عن المفتاح في ثيابه..بحثت في الدولاب ..ولكن اسفل الدولاب وجدت شياء ..ثوبا قديما ممزقاً وعليه بقع من الدم
ربما هو ثوبه امس عندما عاد في صباح...ولكن لا..لقد تخلصت منه بنفسها والقته في النفايات.وكذلك ثوب اول امس...اذن ماقصه هذا الثوب؟
وحالما اخرجت هذا الثوب حتى سقطت منه عدة مفاتيح متعدده الاشكال والاحجام ..ازدات دهشتها ولم تدر ماذا يصنع بكل هذه المفاتيح
اخذتها وجربتها ولم يفتح الدرج
فكرت بسرعه لماذا لاتكسره...ولكنها خائفه...لكن خائفه من ماذا...منه هو؟بالقطع لا...انه لايكاد يعرف شياء عن بيته؟؟ولكن ربما بالدرج اشياء تهمه..قد يغضب عندما يكتشف انها اطلعت عليها...ولكن لا ستكسر الدرج وليحدث مايحدث..
واسرعت الى المطبخ وتناولت اكبر سكين فيه وذهبت الى المكتب وحاولت فتح الدرج...وفجأه قرع الباب..ولكن لا...ان معه مفتاحا..من يكون ياترى؟
ان الساعه8 مساء ربما اهلها وافرحها هذا الخاطر واسرعت تفتح الباب
فوجئت بوالدته واخواته كلهن وقد حملن في ايديهن بضعه اكياس خمنت انها هدايا زواجها بادرتها الام قائله:-اين سعيد ياسارة انني لا اراه..
همست دون شعور-وانا ايضا لااراه
علا صوت الام وهي تقول:-انت لاترينه ماذا تقولين ياساره
-كلا ياخالتي اقصد انه كثير الخروج لدرجه اني اصبحت لا اراه
ضحكت اخته الصغرى وهي تقول:-يخرج وانتما لاتزالان في شهر العسل...هو مجنون بالتأكيد
رنت كلمه اخته في عقلها بشده..مجنون...نعم لابد انه مجنون..كل تصرفاته تدل على ذلك....لم يقربها ابد من زواجها وخروجه كل ليله ومبيته في الخارج..وعودته كل يوم بتلك الصورة...فكرت ساره ان تسال امه عن احواله ولكنها عدلت في اللحظه الأخيرة فهي امه مهما يكن ولن تخبرها بشيئ
حاولت ساره ان تبتسم طوال الوقت وان تبدو سعيده حتى سالتها امه:-اخبريني ساره هل انتي سعيده مع ابني؟
واردفت بسرعه-انه انسان طيب القلب رغم مايبدو عليه الصبر والتفاهم تصلان الى كل شيئ باذن الله لاتنسي انكما في بداية الزواج..
صمتت ساره لانها شعرت شعورا خفيا ان الام لاتريد ردا على سؤالها فقط تريد ان تطمئنها لتعيش معه بهدؤ
وبعد نصف ساعه من حضور اهل سعيد دخل هو ورحب بامه واخواته واقترح عليهم ان يذهبوا جميعا الى اهل ساره ولكن الام اعتذرت وطلبت منه ان يوصلهم الى البيت
وذهبت معهم ساره ليوصلها في طريقه الى اهلها
وحالما دخلت الى اهلها امتلاءت عيناها بالدموع وتذكرت كل شبر فيه..احست ان علاقتها قوية جدا بهذا البيت وانها لاتستطيع ان تفارقه ابدا..
وياللعجب في هذه المره لم يبهرها جمال اختها ولم تعد بغيره اصبحت تشعر في قراره نفسها ان هذه اشياء تافهه لاتستحق التفكير
استقبلها ابوها بحب..اول مره ترى نظرات الحب في عينيه..ربما ليست نظرات حب بل شفقه ولكن لايهم..المهم انه احس بها اخيرا وسالها بهدؤ:-هل انت سعيده ياحبيتي ان زوجك انسان بمعنى الكلمه.
اومأت برأسها علامة ايجاب وهي تفكر..حتى ابوها يريد ان يطمئنها ويسكن قلبها..كلهم يريدون منها ان تعيش بسلام حتى امها وقفت معهم ضدها
لكنها تريد ان تبوح لأحد ان تخبر اي انسان عما يحدث لها
جلست سارة مع امها على انفراد تكلمت سارة:-امي انني خائفه بل انني قلقه انني لاافهم شياء مما يدور حولي
ردت عليها امها قائله:-انا كذلك في بدايه زواجي..كل اللبنات هكذا..يخفن في البدايه
-امي اني لااقصد هذا ابدا انني...
-انا لم احب اباك ابدا في البدايه وبعد ذلك بدأ الحب تدريجيا والان لااستطيع فراقه..
-لا..ليس هذا..انك لاتفهميني..اقصد انه.
-ان زوجك يابنتي رجل طيب ليس مهما شكله المهم اخلاقه
وسكتت ساره احست ان الكلام لايجدي ولن يجدي..لن تفهم امها لأنها لاتريد ان تفهم
ذهبت ساره مع زوجها وهي تحس بغربه شديده..غريبه وسط اهلها..غريبه مع امها..غريبه حتى مع زوجها..القت نظره اليه وهما في السياره عند اشارة مرور..وصدمت للتعابير التي راتها مرتسمة على وجه القبيح كان يبدو خائف مرتعب شاحب الوجه..العرق الغريز يتساقط على وجهه بغزارة ..
تابعت نظراته فوجدتها متجهه الى المستشفى كبير على الجهه الاخرى من الطريق
زادت دهشتها وزاد استغرابها..وحالما تابعا السير استجمعت قواها لتسأله:-سعيد..مابك؟
-انا..لاشيئ
-كنت اتوقع شياء من هذا القبيل
-ماذا..ماذا...هل تتوقعين شياء..مثل ماذا؟
-اقصد اجابتك هذه هي دائما لاشيئ
-اصمتي ارجوك
وصمتت..نعم صمتت وماذا كانت تستطيع ان تفعل وهو يأمرها بالصمت دائما
اخذت تفكر بصمت حتى عندما دخلت بيتها الحزين كانت تفكر اطواره غريبه..تصرفاته اغرب واغرب,لماذا كان خائفا وهو ينظر الى المشفى؟ربما لم يكن خائفا من المشفى..ربما كان هناك شخص يخفيه..لكنها لم ترى اي شخص فقط رات المشفى
افاقت من تفكيرها على صوت الباب الخارجي وهو يغلق..
قامت مسرعه تحاول اللحاق به ولكنه كان قد ابتعد..هذه المره شعرت بالخوف..بالخوف الشديد يغمر كيانها...انها تخاف ان تنام بمفردها..في المرات السابقه كانت متأكده انه سيعود ولكن هذه المره متاكده بانه لن يعود..لن يعود قبل 11صباحاًمن اليوم التالي
كيف تنام وحيده في بيت كبير...لا..لاتستطيع ان تنام ..هل تهاتف امها الآن وتطلب منها ان تاتي لتنام معها؟او تهاتف امه هو لتطلب اليها ان تاتي..لم يعد هناك اي حل..في كلتا الحالتين سوف تفضح نفسها وسيعرف الجميع انها ليست زوجه سعيده..ولكن ماذا يهمها من الجميع فليذهبوا الى الجحيم
المهم انها لاتستطيع ان تنام وحيده وام زوجها افضل من امها على الاقل انها لاتشعرها بانها عبء عليها..وعزمت على هذا الأمر
ادارت قرص الهاتف بيد مرتجفه..ولكن لامجيب..
حاولت للمره الثالثه والاخيره ودقات قلبها تتسارع من الخوف ..واخير رد عليها صوت يغالب النوم..
-الو
وسقطت السماعه من يدها من الفزع
ياالهي انه زوجها!!
انه يترك بيته وزوجته ويذهب لينام عند امه..هل هذا معقول...ولماذا؟
وماذا يريد منها حتى يتزوجها؟
لماذا لم يتركها في بيت اهلها؟
لماذا لم يتركها لسريرها ومخدتها ودموعها؟
ماذا يريد هذا الرجل؟
وماذا يريد اهله؟
وماذا يريد هو منها؟
اغلقت سماعه الهاتف بهدؤ...وفي صدرها بركان يغلي ويوشك ان ينفجر في اية لحظة...
اسئله كثيرة تطرق راسها بلا جواب...هل تستمر معه هكذا؟متزوجه وليست متزوجه؟
فقط ازداد في حياتها العذاب..وتضخمت دنياها بالحيرة...انها بحاجه لإنسان تحكي له وتشتكي...ويشاركها شعورها واحساسها.
هل تخبر امها الأن بكل شي وبالتفصيل؟
ولكن امها لاتريد ان تسمع منها شيئا..اي شيء..امها تريد منها كما يريد الجميع ان تعيش معه تحت اي ظروف!وعلى اي ارض!وفي ظل اي سماء!
حتى لو كانت تتعذب فهذا غير مهم..المهم من حولها يبقون راضين سعداء...
ذهبت الى حجرتها تجر قدميها جراً...وسقطت على السرير .
.انه لن ياتي هذه المره.........انه لن يأتي ولن يعرف هل نامت على السرير ام لم تنم..
ولايهمه حتى لو نامت في المطبخ
انها ليست كأي عروس سعيده تنحصر مشكلتها هل يحبها زوجها ام لا...ان تساؤلاتها اكبر هم من هذا...
ان تساؤلاتها مصيريه ومحتومة يجب الرد عليها
لقد اهملت حتى نفسها وزداد وجهها بشاعه..
حتى ملابسها تلبسها قبل ان تنظر اليها...اصبح لايهمها الشكل ولا اللون ان لديها شيئا اهم..
حتى وجهها لم تعد تعيره انتباها..لقد ضاقت بكل شيئ
نامت وسط دموعها كما نامت اول ليله اتت بها الى هنا...
نامت بعد ارق طويل وتفكير انهك كل قواها
نامت نوما متقطعاً..تخللته احلام وكوابيس كثيرة
وفي السابعه صباحا نهضت وكانها ملت النوم...
نهضت فرحه بنور الصباح..الآن تلاشى خوفها وقلقها اللذان اخذا منها كل ماخذ..
تناولت افطارها وهي تفكر بهدؤ..يجب ان تجد حلا لكل هذا..
هنا تذكرت امر الدرج الذي ارادت ان تكسرة..الآن يجب ان تكسره...
اسرعت قبل ان تنتهي من افطارها الى حجرة المكتبة..وجدت كل شيئ في مكانه كما تركته اول مره حتى السكين في مكانها..لم يدخل هنا احد غيرها..
واخذت تعالج الدرج بكل مااوتيت من قوة..يجب ان يفتح وبأي طريقه
ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل...
لم يفتح الدرج وانما تحطمت اجزاء من جوانبه..لم تر منها محتواه...
واخذ الياس منها كل مااخذ فشدت شعرها بغيظ والقت بنفسها على ارض الحجرة وهي تبكي بشده..وتجذب اطراف السجاد بغضب..
وفي غمرة يأسها جاءها الفرج
فجأه
فقد انحسر جانب من السجاده ورات تحتها ميداليه من الفضه تحمل مفتاحا..
مفتاحا واحد فقط
تناولت الميداليه بيد مرتجفه ويدها الاخرى تمسح دموعها..اغمضت عيناها بشده قبل ان تحاول فتح الدرج وهي تأمل ان يكون هو المفتاح المنشود وان تجد حلا لكل مشاكلها واسئلتها...
وفعلا دار المفتاح في القفل بسهولة..وفتح الدرج...ويالها من مفاجأه
لم تجد فيه شياء سوى مفكرة سوداء اللون ولاشيئ اخر!!!!
بحثت في كل انحاء الدرج لدرجه انها سحبته من موضعه وقلبته للتتاكد من خلوه
وغمرها الياس من جديد ورفعت يداها لتضرب بقسوة المكتب
فتذكرت ان في يداها مفكرة لاتدري محتواها..
وماذا كانت تتوقع ان تجد..هل توقعت اوراقاً ومستندات توضح لها حقيقه او توقعت دماء وسكاكين!!
يجب ان ترضى بما وجدته
وفعلا اعادت كل شي كما كان عليه ووضعت المفتاح في مكانه واخذت معها المفكرة السوداء الى حجرتها وفتحتها
انها عبارة عن مذكرات يوميه مكتوبه بخط اسود دقيق
انها فتاه تتحدث عن ايامها...ترى من هي؟
ان الأسم غير مكتوب على الأطلاق..فقط التواريخ والأيام ودفعها فضولها الى ان تقرأ في هذا الدفتر...
الأحد16-2
عدت اليوم من المدرسة متعبه فاألقيت بكتبي على اقرب اريكة ونمت
وصحوت بعد ساعه فقط على اصوات اخوتي وهن يتشاجرن عند راسي
صرخت فيهن ان يسكتن..تحولت المشاجرة نحوي..في ذلك اليوم ضربتني امي وبكيت بكاء شديدا..لماذا انا التي تضربني امي دون عن اخوتي؟
انها تكرهني...ربما لأنهن جميلات اكثر مني او ربما لأني قبيحه العائلة
توقفت ساره عند هذا الحد من القراءه وهي سارحه بفكرها..ترى من هي هذه الفتاه.. ان قصتها تشبه قصتها الى حد بعيد..
ان في حياة هذه الفتاه ملامح كثيرة من حياتها هي...ترى من هي؟ ولماذا يحتفظ زوجها بمذكراتها اليومية في درج مكتبه؟ترى هل هي تهمه الى هذه الدرجه؟ترى هل هو يحبها؟
ومضت تقرأ بلهفة شديده
الخميس 20-2
اليوم رايته..قابلته خلسة من اهلي..تحملت مصاعب جمة لكي اراه..قلت لأمي انني اريد زيارة احدى صديقاتي..وافقت امي على مضض, ولكنها طلبت مني ان ترافقني احدى اخواتي الصغار
رافقتني اختي الصغيرة واخذتها وانا واثقه بانها لن تفهم شياء..انها في الخامسه من عمرها...وهناك رايته عند صديقتي..انه اخوها...نظر الي بلهفه وامسك يدي في حب
انه يحبني انا متاكده من ذلك..سألني ان يتقدم لخطبتي ولكنني طلبت منه ان يؤجل الأمر حتى انتهي من دراستي الثانوية..انه حبي وكل شيئ في حياتي
تنهدت سارة بصوت مسموع..اذن هي تحب..
ترى هل هو زوجها هو الشخص الذي تحبه تلك الفتاه؟
ترى هل عاش سعيد قصه حب قبل ان يتزوجها؟
ومع هذه الفتاه بالذات؟
واحست بالشوق الشديد لقراءه هذه اليوميات فلربما استشفت من ورائه شيئ..والا لماذا يحدو بسعيد ان يخفيه في درج مكتبه
بالتاكيد هو من تحب هذه الفتاه..
وعادت سارة تلتهم السطور
الأثنين24-2
انني احبه كثير وهو انسان مرموق ولن يرفضه اهلي اذا تقدم لخطبتي..ولكني خائفه
منذ صغري وانا اشعر اني مختلفه عن بقيه البنات..اشعر بانني نسيج بمفردي..حتى اخواتي لااشعر بأنني منهن..لااستطيع الأندماج بسهوله مع واحد منهن
اليوم حدث خلاف حاد بيني وبين زميلتي صفاء..ليس من عادتي ان اختلف او اتناقش مع اي طالبه
حتى اخوتي اتحاشى النقاش معهن..بطبعي احب الوحده والأنطواء..ولكن صفاء تعدت كل شيئ واهانتني
قالت لي بالحرف الواحد<<انت انسانه غريبه..ايوجد فتاه في مثل سنك لاتعرف كيف تختار ملابسها ولاتضع المكياج>>
نظرت اليها باحتقار وانا ارد<<لاشأن لك بي>>
وكلمه منها وكلمه مني تطور النقاش الى عراك بالأيدي..وتدخلت مجموعه من الطالبات لفك النزاع والا كنت مزقتها باسناني
صفاء على حق فانا بطبعي لااحب الملابس والمكياج كأخوتي ..ربما انا معقده لانني اشعر بانني قبيحه
عند هذا الحد سمعت سارة المفتاح يدور في قفل الباب الخارجي
نظرت الى الساعه فوجدتها الحاديه عشر تماما كما اعتاد زوجها ان يعود كل يوم
اخفت المفكرة بسرعه تحت السرير وهي تتخيل شكله ككل يوم
وفعللا دخل عليها الحجرة بثيابه الممزقه والدماء تنزف من انفه وملابسه ولم تفاجا ولم تهتزلها شعرة..فقط نظرت اليه بهدؤ وقالت بملل دون ان تنتظر الرد-ماذا حدث لك اليوم ايضاً؟
كالعاده ادار لها ظهره وخرج قائلا:-لاشيئ.فقط معركة بسيطه مع بعض الاصحاب
ابتسمت بسخريه وهي تقول لنفسها يجب ان اكتشف السر وباي طريقه
احست ساره بان هذه المفكره لن توضح لها الحقيقه كما كانت تتوقع..لن تجد فيها شياء مهم.لن تجد فيها الشعاع الذي يحيل حياتها الداكنه الى انوار باهرة قويه تسطع منها الحقيقه
خرج من الحمام ودخل الحجرة وهي كما هي مكانها لاتتحرك..وفجأه ومضت في ذهنها فكرة جهنميه وقررت تنفيذها بسرعه
انه اختبار بسيط لترى مدى استجابته لها...وقف ينظر اليها بذهول وهي مستلقيه على السرير باسترخاء
افاق من ذهوله بسرعه وهو يقول لها:-سارة اخرجي اريد ان انام من فضلك
تمطت وهي تقول:-ولكنني اريد ان انام..
-لاارجوك اخرجي..
-انني لم انم البارحه من شده الخوف انني لااستطيع النوم بمفردي
-ارجوك
-ارجوك انت ارحمني ان حياتي معك كلها الغاز..منذ تزوجتك وانا لااعرف طعم الراحه ولكن ان تتركني انام بالبيت بمفردي كلا والف كلا
انام في بيت اهلي افضل لي انني.........
وتوقفت فجأه عن الكلام..راعها ما رات على وجهه من ملامح الخوف والألم..
احست انه في صراع شديد من نفسه وفعلا انبثقت الدموع من عينيه..
وتحدرت الدموع لتغرق وجهه وحاول كتم شهقه بكاء ولكنه لم يستطع
نظرت اليه في دهشه ممزوجه بالشفقه وكادت تبكي لمنظره ولكنها خرجت من الحجرة بسرعه للتتحاشى احراجه..والقت بنفسها على مقعد كبير في الصاله وصدرها يعلو ويهبط من شده الانفعال ..واخيرا..اخير هدأت واخذت تفكر بهدؤ مثبته نظراتها في اتجاه واحد لايتغير
لماذا فعل ذلك؟
لماذا لايريد ان يقربها ابدا؟
انه يكذب..انه ليس مريضاً..فلو كان مريضاً حقا لحاول على الاقل مجرد محاوله..
او حتى لم يجزع عندما يراها مستلقيه على السرير وترفض المغادرة
ولماذا يبكي بهذا الشكل؟
انها تخاف من ذلك
والان ماذا تفعل؟
هل تتركه وتذهب الى بيت ابيها؟
ياالهي..وماذا سيقول الناس عنها؟
بل كيف سيواجهها اهلها...امها..انه لم يمض على زواجها ايام...سيقولون عنها الأقاويل
وسيضربها ابوها وستقول لها امها:<انه انسان نبيل وانت لاتستحقينه>>..
لن يفهم احد..ولن يقدر احد..ولكن ماذا تفعل بهذا العذاب الذي اصبح ينوء بحمله كاهلها..
انها تستطيع ان تتحمل هذا كله ولكن كيف؟..كيف تبقي في بيت كهذا بمفردها ليلاً؟
طرات على ذهنها المفكرة السوداء احست بحنين لقراءه يوميات تلك الفتاه
ولكن كيف تاخذ اليوميات وهي خباتها تحت السرير الذي ينام فوقه زوجها
حاولت ان تدخل بهدؤ على اطراف اصابعها فانها لاتتحمل ان تجلس كل هذه الساعات وحيده بانتظار استيقاظه من النوم انها لاتتحمل على الاطلاق
وفعلا فتحت الباب بهدؤ ولكن سمرتها المفاجاه امام الباب المفتوح لاتقوى على الدخول
فتحت عيناها واغلقتها بشده لتتاكد ممن تراه واذهلتها المفاجاه انه نائم نعم ولكنه يحتضن ثوبا اصفر..
ثوب امراه..لاليس احد ثيابها..انها لاتحب اللون الأصفر
ثوب من هذه الذي يحتضنه بشده وكانه يحتمي به من شرور الدنيا
ربما هو ثوب المرأه التي يحبها..او ربما هو متزوج باخرى غيرها
لكنها لم ترى هذا الثوب قبل الان..مالذي جاء به به الى هنا
قالت بصوت هامس<تباً له انه كومه من الاسرار..ليتني استطيع الخلاص منه>>
وبحركه خاطفه اخذت الكتاب من تحت السرير وخرجت
واخذت تقراه في الصاله
الأحد1-3
لم اذهب اليوم الى المدرسة..انني اكرهها وليتني لااذهب اليها ابداً..اكره كل شي فيها حتى صديقاتي لااشعر بالأنتماء اليهن..اشعر بغربه شديده
اتت امي في الصباح لإيقاظي من النوم مع اخوتي ولكنني تظاهرت بالمرض وبقيت في السرير اتقلب من جنب الى جنب وفي العاشرة صباحا اخذت الهاتف الى حجرتي انها فرصه لأحادثه..فلست استطيع احادثه وسط ضجه اخوتي
ولكنني لم اجده في المكتب او ربما رفض ان يتحدث لي لقد بدأ يتهرب مني...انني اشعر بهذا منذ فترة قصيره..معه حق هو يريد الزواج وانا اتهرب منه وكيف لااهرب من الزواج
وانا اشعر بااني لست طبيعيه كبقيه البنات انني في السابعه عشر والدورة الشهريه لم تأتني بعد انني اخاف ان اسال امي في هذا اخاف اسئل اي انسان
وفي هذه اللحظه سمعت سارة صوت الهاتف يرن وتناولت السماعه وسمعت صوت ام سعيد:-ساره كيف حالك وكيف حال سعيد
-نحن بخير
-ماذا بك ياسارة؟هل انت متعبه؟
-كلا ياخالتي ولكنني لم انم ليله البارحه
لم ترد ام سعيد وسمعت صوت تهدج انفاسها من سماعه التلفون واخيرا قالت بصوت قلق:-لاباس عليك المهم اننا نتظركم الليله على العشاء انت وسعيد لاتنسي
واقفلت السماعه دون ان تنتظر الرد واسرعت ساره تحتضن المفكره بلهفه شديده وفتحتها بسرعه
السبت7-3
يالها من مفاجاه زلزت كياني..انني لااستطيع ان اصدق حتى امي وابي اصيبوا بصدمة شديده لايزالون يعانون منها حتى الآن ولكنهم على الاقل فرحون..كلهم سعداء ولكن ماشعوري انا بالضبط
انني لاادري هل افرح ام احزن؟
هل حقاً ساتحول الى رجل!!!!!!!!!!!
توقفت ساره عن القراءه وهي لاتكاد تستطيع ان تبتلع ريقها من شده الأنفعال وعادت الى القراءه
هل حقاً ساتحول الى رجل!!!!!!!!!!!
ان الطبيب اخبرنا اليوم بذلك..وقال لابد من اجراء عمليه عاجله لتحديد الجنس
ياالهي سااتحول الى رجل بعد فترة قصيرة لاتتجاوز الاسابيع انني لااحتمل الفكرة رغم انني كنت اعاني في حياتي السابقه نم عدم اندماجي في حياة البنات..ماذا افعل وكيف ساتصرف
امي فرحه جدا واي فخور بان الله حقق له امله اخير في ان يكون له ولد وسط خمس بنات
توقفت ساره عن هذا الحد ودموعها تطفر من عيناها مامعنى هذا؟هل يعقل؟هل تتصور هل يمكن؟
وكيف واين ومتى ولماذا؟ترى هل سعيد الذي ستزوجته يمكن ان يكون هو الفتاه صاحبه المذكرات هذه؟؟؟؟!
ترى هل كان فتاة في يوم ما...ان هذا يفسر كل شيئ....لاتحتاج ابداً لتفسير اكثر من هذا
واقشعر بدنها بشدة وهي تتخيل انها تعيش مع فتاة كزوج وزوجه
واغمضت عيناها وكأنها تنفي هذا الأحتمال..ولكن لماذا ياربي لماذا يكون هذا هو نصيبها من الدنيا
ارادت ان تعيش بسعاده فعاشت التعاسة كلها
وفكرت هل تكمل قراءة هذه المذكرات ولكنها تشعر بالغثيان
فاسرعت الى الحمام لتلقي مافي جوفها واستسلمت على الاريكة وهي تشعر بتعب شديد بعدما لقته واغمضت عيناها لترتاح قليلاً ولكنها نامت
نامت دون ان تدري وفتحت عينيها لتجد امامها بكامل ثيابه والمفكرة بيده
تذكرت ماحدث فشعرت بخوف يسري في بدنها واحست انها مريضه..مريضه جداً
نظر اليها بقلق ويداه ترتجفان وقدماه ترتعدان ان بدنه كله يهتز بعنف
وبادرها قائلا ونظرات القلق واضحه في عينيه:-سارة جاوبني بصراحه ماذا عرفت بالضبط وماذا قرأت في المفكرة
تكلمت دون ان تنظر اليه:-عرفت كل ماينبغي ان اعرفه منذ زمان والان يجب ان افهم ماموقفي بالضبط وماهو دوري الذي من المفروض ان اقوم به في حياتك
-سارة ساقول لك كل شيئ ولك حرية الأختيار...ولكن عديني اولا ان كل مايقال بيننا لن يعرفه احد
همست بصوت مبحوح:-اعدك
-لقد كنت اتمنى ان اصارحك بكل شي منذ البداية ولكني خفت خفت ان تسيئ فهمي وخفت اكثر ان تخبري اهلك فتحدث كارثه
-انني...
-ارجوك لاتقاطيعني حتى اتم حديثي معك صدقيني كنت انوي ان اخبرك الليله ولكني كنت اضعك تحت الاختبار وفعلا خلال تلك الأيام لم تصدر منك اية كلمة ولتتاكدي من صدق نواياي لقد كنت ساخبرك بكل شي الليله انا وامي ولاثبت لك هذا فان امي اتصلت بك اليوم لتدعونا عندها الليلة اليس كذلك؟
واومات براسها دون ان تتحدث كانت متعطشه لتعرف كل شيئ كل شي
تابع سعيد حديثه
-لقد كنت فتاه...نعم كنت فتاه...اذهب الى المدرسة وألعب وكل شي كنت افعله كبقية البنات ولكنني كنت حائرة اشعر بأن هذا ليس بعالمي وهذه ليست دنياي وفعلا بعد ان ذهبت للطبيب لإجراء فحص طلب بان تجري جراحه عاجله لاتحول الى ذكر
همست سارة وكانها خافت ان تجرحه:-اعرف هذا
ورد سعيد:-ولكنك لاتعرفين ماحدث بعد ذلك صحيح امي فرحت وابي رقص طرباً...واخواتي جميعا افتخروا بي الا انني كنت اتمزق اشعر باانني باهت الشخصية ليست لي ملامح معينة لاانتمي الى جنس وعشت فترة رهيبة قاسيت فيها الامرين كنت اتعذب فعلا لم اندمج في عالم الرجال واشعر بحنين جارف لعالمي الاول عالم النساء
فذهبت الى الطبيب طالبا منه ان اعود كما كنت فرفض رفضا قاطعا وطردني من عيادته ولما رات امي حالتي تلك رات ان تزوجني
تكلمت سارة بهدؤ:-وانا كنت من وقع عليها الاختيار ولكن لماذا؟
صمت سعيد قليلا قبل ان يقول:-ولكن لن تغضبي لو اخبرتك؟
اشاحت بوجهها وهي تقول:-اعلم لأني انسانة قبيحه شوهاء وبالتاكيد سأوافق بسرعه وساارضى باي شي ولن اتكلم
ابتسم سعيد ورد عليها بصوت هادئ:-ليس هذا بالضبط ولكنني كنت مقدما على تجربة رهيبه خطيرة بالنسبة لي شي لم يحدث ابد في حياتي
ورات امي ان اجرب ولن اخسر شي وقالت لتكن زوجتك فتاة بسيطه تقنع ولاتتعرض على شي
ونظر اليها طويلا قبل ان يتابع:-وهذا ماحدث
وسألته سارة :-ولكن لماذا تنام كل ليله في بيت امك؟
-قلت لك بانني قررت ان اجرب...ولكن في ليلة الزواج كرهت الفكرة ككل...واحسست بأنني اشمئز من كل شيئ ولم اطق البقاء في بيت واحد معك اشعر اني اظلمك دون ذنب ارتكبتيه وكانت امي تحاول ان تعيديني اليك ولكنني كنت ارفض رفضا قاطعا
-اذن لماذا تعود كل يوم على هذه لحاله المزريه؟
-اشعر بصراع نفسي رهيب اريد ان اعود الى حالتي الأولى ولكن وجودك في عالمي يقيدني يجعلني احس اني رجل وان هناك زوجة تنتظرني ولكنني كنت اتمزق فكنت في كل صباح وبعد ان اصحو من النوم اذهب الى المستشفى واطلب بمقابلة الطبيب ويرفضون لانهم يعرفوني فاصرخ بااعلى صوتي طالبا ان اعود الى حالتي الاولى فيلقون بي في الخارج واعود مرة اخرى وافتعل الشجار معهم ليدخلوني وابقى انتظر الطبيب حتى الحاديةعشر لانه بعد ذلك يذهب لعيادته الخاصة ولكنة لايعيرني اهتمام
كنت مصرا ان يعيدني الى حالتي الأولى
تكلمت سارة فخرج صوتها مهتزاً:-والان؟
-والان لك الخيار اما ان تحتمليني على هذه الحالة التي انا فيها الان.......ربما اعود رجلاً..او الفراق
-ولماذا لم تحدد ماتريد قبل ان تتزوجني؟
-لم اكن اعلم ان هذا سيحدث لي اقنعتني امي بان حالي سيتحسن بعد الزواج..وساصبح رجلاً ككل الرجال ولكنها اخطأت بالتاكيد فظلمتك معي
ولكن ربما سأتجاوز هذه الفترة بنجاح بفضلك وابقى مدينا لك بقية الحياة
وجاء صوتها بارداً لاحياة فيه:-ولماذا ابقى....هل تحبني؟
-انني لم احب في حياتي الاشخصا واحد
-اعرف واين هذا هو الشخص؟
-لقد تركني فترة طويلة واعتقد انه متزوج ولدية اطفال
هل اترك لك فرصه تفكرين؟
-لاوقت لتفكير اريد العودة الى بيت اهلي واتمنى ان نبقى اصدقاء
-كما تشاءين...ولكن كيف اطلقك ونحن لم نتزوج الا منذ فترة بسيطه...ماذا سيقول اهلك؟
-لايهم انا اعرف اتصرف
وفعلا عادت سارة الى بيت اهلها في نفس الليلة..بعد ان اتفقت مع سعيد على ان يختفي شهر على الاقل واخبرت اهلها انه سافر في مهمه تتعلق بعمله وواجهت نظراتهم المتسائلة بدهشة بنظرات قوية لاتخشى شيئا
وبعد شهر وصلتها ورقة طلاقها وسط صراخ امها وبكاء اختها وجزع ابيها وقلق اخوتها
ولكنها بقيت كما هي لاتهتز لها شعرة
لاتتكلم ولاحتى تبكي اخذتها امها على انفراد وهي تسألها:-مالذي حدث ياسارة لماذا طلقك بهذه السرعة؟
-لاادري
-كف لاتدرين وانت لم تعيشي معه الا اياما
-لاادري
لم تخبر امها بشيئ ولم تظفر منها بطائل
وتناقشت امها مع ابيها طويلا في موضوع طلاقها ورفض ابوها ان يذهب اليه ليتفاهم معه
ورفضت هي ان تعود وبقيت الام تبكي وتنعي حظ اختها الثانية
وبعد ستة اشهر من طلاقها حضرت فتاة لزيارة سارة
استقبلتها امها بدهشة فلم يسبق ان زارت سارة اي صديقه ولكنها اخبرت الام بانها صديقه سارة منذ ايام زواجها
ابتسمت سارة وهي تستقبلها وقالت لها بفرح:-اذن تحدد مستقبلك....
انها زوجها سعيد عاد الى اصله وجاء لزيارتها


رد مع اقتباس
قديم 12-11-2011, 12:54 AM
مشاركة رقم المشاركه : 12
" ترنيمة الغيم "
ناقدة سينمائيه
 
الصورة الرمزية " ترنيمة الغيم "
الملف الشخصي






" ترنيمة الغيم " غير متواجد حالياً

 

8
8
8
هذه من القصص القديمة البديعة التي لا تنسى بالرغم من الكآبة الطاغية عليها

و الطابع العام لجميع بطلات قصص قماشة العليان المظلومات الكسيرات اللواتي يعانين تسلط الأهل يسيطر عليها .




الأصوات الخالدة
أشرف إحسان فقيه


(نشرت ضمن المجموعة القصصية: "صائد الأشباح وقصص أخرى" – الرياض 1997)

لا تصرخ بصوت عالٍ بعد اليوم.. أينما كنت لأن هذا سيؤذيني.
لا تتلفظ أبداً بأسرارك.. لا تخرجها من عقلك.. لأني قد أعرفها إذا تحولت لموجات صوت في الهواء.. تسبح للمالانهاية.. إلى آخر الزمان.

* * *
شيء رهيب .. أن تستطيع سماع أي صوت، وكل كلمة .. كل سر تناجى فيه اثنان.. أي شيء حدَّث به شخص وحيد نفسه.
شيء رهيب، ومثير، ويستحق المحاولة .. لأنه ليس مستحيلاً !
من قال أن الكلام جنون إذا لم يكن موجهاً لأحد معين ؟ ومن قال أن الأصوات ليست سوى فتح وإغلاق للفم وحركات حنجرة تموت خارجها ؟
بالنسبة لي فإن الأصوات كلها هي ظاهرة فيزيائية خارقة، وحالياً فهي معجزة علمية تكَشَف لي منها الكثير.
كنت أعرف أن ذبذبات الأصوات تنطلق في الفضاء لتجوبه كله إلى آخره.. لو أن له آخر..
و عُرف أن الأصوات المنطلقة موجودة حولنا نظرياً .. دائماً.. في الفضاء الفسيح.. كل الأصوات منذ بدء الخليقة تتكرر في الفراغ.. بعد أن تتجاوز حدود سمعنا.. فتصبح لنا بلا فائدة.
أصوات مستهلكة. لا تؤثر في طبول آذاننا لمجرد أنها تجاوزت مجال 20 - 20.000 هيرتز الذي تعمل عليه أسماعنا.
هذا الفراغ اللامتناهي هو إذن مستودع لأكبر مخزون عرفته البشرية... مخزون من الأصوات!
لا تسلني عن الذي سنفعله بهذا المخزون..، لأن السؤال الأمثل الآن هو كيف سنصل إليه ؟ ، وقد استغرقتني الإجابة عليه 23 سنة، وأنا أقف أمامها الآن !
الجهاز الذي ابتكرته.. يستطيع التقاط موجات الصوت التي تتراوح ذبذبتها بين (500) ألف إلى (-500) ألف ذبذبة...، وحتى لا تنفجر رؤوسنا مثل البطيخات الفاسدة، أو نظل ننصت للسكون كما نفعل الآن بكل هذه الأصوات غير المسموعة حولنا، فقد زودته بمحول ذبذبات يصل بها للحد المناسب للأذن البشرية...
اختراعي محدود حتى الآن.. لأنه لا يلتقط سوى الأصوات التي ترجع لثلاثة أشهر سابقة فحسب.. لكنها بداية جيدة.. وقد قررت أن أجري التجربة على نفسي.

* * *
كنت أحاول السيطرة على أعصابي وأنا أجلس قبالة (مستدعي الأصوات) الذي صنعته. وسماعتان ضخمتان تحتضنان أذنيَّ.
فركت أصابعي في توتر.. وألقيت نظرة على كلبي - وهو رابع كلب أقتنيه خلال مراحل إنتاج الجهاز- لأتأكد من سلامة تصرفاته بعد (التجربة التجريبية) التي أجريتها عليه بالجهاز قبل أن أستخدمه.
وبدا الكلب طبيعياً حتى بعد أن تعرض لأقصى وأدنى ذبذبات المولد، الذي تغذيه ثلاث رقائق ، كل منها يحمل 40 مليون ترانزستورٍ فائق.
بسملت وتشهدت.. ثم ضغطت أزرار التشغيل في المولد، والمحول، وبدأت أعبث في مؤشر الاهتزاز.. باحثاً عن صوت ضال في الفضاء.. من تلك الأصوات.. المترددة للأبد..
بهدوء.. ببطء.. ابحث عن همسة.. أو كلمة.. أو صوت مبهم.. يثبت جدوى أعمالي.. ويفتح مجالاً جديداً للعلم.
لكــن لا شيء ...
سكون تام مطبق.. مع كل رقم يمر عليه المؤشر.
هل كان هذا الكلب يهزأ بي وهو يصغي للاشيء ؟
لم أعرف أي صوت سألتقط.. ولا من أي مكان سأسمعه.. ولا لأي زمن سينتمي.. فأبحاثي لم تبلغ هذا التقدم بعد...
أقلب الأرقام.. أغير الموجات... لكن لا صوت!.
كنت قد بدأت أخاف الفشل.. فالإشارة قاربت الوصول لأعلى ذبذبة.. و...
- هاهاهاهاها.....
انتفضت من مقعدي بعنف، وسقطت أرضاً وأنا متشبث بالسماعات على أذنيَّ.
ضحكة.. أول ثمرات جهازي كانت ضحكة صاخبة من مكان ما ، من زمن مجهول.
كتمت صرخات الفرح الطاغي في نفسي، وأسكَّتُ أنفاسي وأنا أحاول تثبيت الموجة.. التي عادت خاوية من الأصوات.
وفي تلهف.. عدت أحرك المؤشر ببطء أكثر، وصبر أكثر..
سكــون..
صمت تـام...
ثم.. اندفع الشلال......
شلال هائل، أصوات مدوية.. ضحكات.. صرخات.. كلام.. كلام كثير مختلط.. بكل لغة.. بكل انفعال.. تعبيرات فرحة.. غاضبة.. شهقات خوف .. همهمات.. وتغاريد طيور.. تختلط بها أصوات انفجارات .. أعاصير.. تجرك في دوامة طويــلة.. تفقد الإحساس بالمكان.. والثبات .. وتتمسك بما حولك كي لا تضيع..
بكاء.. عويل..آهات وصرخات.. تنبعث من ملايين معذبة.. موسيقى وإيقاعات كثيرة.. هادئة وصاخبة.. متمازجة..
حوارات عديدة متداخلة .. :
- أنت.. لا، غداً، مات، هيه، ماذا، لا قتلته، المحفظة.. أين المحفظة؟..
وكلام آخر بلغات أخرى.. وألفاظ أخرى.. :
- طالق.. أين.. لقد....
ثم صرخة.. صرخة طويلة مرعبة، وأطفال تهتف بأسماء أمهاتها.. وأصوات تمزيق أحشاء.
أغلقت الجهاز بتشنج والعرق يغمرني..
لقد سمعت شيئاً مما حفظه لنا الفضاء السرمدي. دلائل خالدة على وجود الإنسان، وسجل كامل لأعظم أحداث البشر.. أو حتى اتفهها.

* * *
بعد نصف ساعة، عدت لأجلس مجدداً أمام الجهاز، وأضع السماعات على أذني.
لم أجد في نفسي الجرأة لمقاومة الفضول الجارف.. القاتل.. لسماع أصوات أثرية أخرى، وخوض التجارب الأولى في هذا المضمار.
هذه المرة لم يستمر التقليب طويلاً..
أصوات فيلة.. ثم زئير أُسود! .. هدير ظننته سيَدُك الأرض تحتي.. لأشياء عملاقة تدق الصخر..، شخص يمخط أنفه.. ثم آخر يهمس في أذن ثالث بسر، أبى إلا ألا يسمعه أحد... ضحكات فتاة مرحة.. وشاب يهتف بلغة أجهلها.
أنين مستمر لناس كثر.. كما لو أنهم يتلوون في عذاب غامض.. ثم صوت رياح ومطر، ثم بكاء وأصوات تصادم.. وتكسر حديد وزجاج.. وحشرجات موت.. أصوات غرغرة.. وشخص يشهق في آخر أنفاسه.
رفعت السماعات عن رأسي في ذعر، والتفت خلفي وأنا أتوقع أن أرى الجثة في مكان ما حولي.
هذا الجهاز سيفقدني عقلي..
كالمأخوذ.. وقد تلاحقت أنفاسي.. وضعت السماعات من جديد..
كانت أغنية.. بصوت ساحر.. جميل.. موسيقي يتخللها نواح.. مختلط بمواء مذعور.
أمواج ترتطم بشواطئ وضحكات جديدة.. ثم كلام ...
- لا تخافي.. سيرانا.. تعال..
- اللعنة.. أين؟...
أصوات انقطاع حبال ثم صراخ طويل يقشعر له البدن.. وأصوات تهشم..
- أمي ... ماما..
ثم صمت.. وبكاء طفولي يمزق القلوب.
تصفيق وأصوات طبول.. حفيف ثياب وتنهيدات..
أصوات محركات.. قطع معدنية وأصوات حيوانية كثيرة..
قرقرة غريبة.. وسكون مشوب بحفيف أشجار.. صمت طويل.. وفجأة زئير هائل ونعيق.. وقع حوافر ودبيب أقدام مختلط.. ثم أصوات تقلب وصراع.. ثم خوار أخير وأصوات تمزيق ومضغ..
أوراق تُطوى.. وشراب يرتشف..ثم صوت قلم يسير على الورق.. يسجل تاريخ الحياة.. المقروء..
صرخات وليد جديد..و أم تصيح بتهدج فرح.. وتهاني سعيدة..
ياللروعة.. هل هذا (المنشاوي) يرتل القرآن؟.. سورة ( ق ) على ما أعتقد!
طلقات نارية.. خرير ماء وطنين نحلة.. ونحلة أخرى، آلاف النحلات في سيمفونية العمل..
ثم معزوفة بشرية.. قطعة موسيقية .. أوتار ومضارب بيانو.. وأنغام فلوت وأبواق..
ثم صوت حَفْر.. تراب ينهال.. وآهات من بعيد.. ثم سكون.. ولا شيء! ، وأنا مكاني.. ذاهل.. مرعوب.. أسمع صوت الحياة.. ولا أريد أن أقول شيئاً.. أو أحدث صوتاً.. فأضيف المزيد للسيرة المسموعة.. للعالم.
قدم أسلوبي كثيراً في تعقب الأصوات.
واستطعت بعد فترة أن أحدد موجة بعينها وأتابع ما بها لنهايته..
وأن أمسك بمقدمة حوار وأسمعه حتى ينتهي..
أصبحت الأصوات أهم شيء في حياتي..يومي صار ذبذبات في الهواء..
سمعت عشرات الحوارات، حوارات غبية ومضحكة.. ومريعة، شجارات، مغازلات، ثم قررت أن أتوقف عن متابعتها لأن لا شأن لي بها!
لكن المحاورات البشرية هي أرقى وأسمى ما يمكن سماعه.. ، فبعدها لا يبقى سوى صوت الطبيعة ، الذي يشعرني بأني في غابة.. أو مشرف على كارثة.. بركان.. أو زلزال..
وهناك التعبيرات البشرية الأخرى.. المركزة.. والدالة على المشاعر البشرية المختلفة.
وهنا عدت للسؤال الأول.. كيف سأستفيد من اختراعي ؟
مرة فوجئت بصوت جاري يدوي في أذني:
- حقيرة.. لن أسمح لكِ بالتمادي..
ثم لدهشتي سمعت صراخ زوجته.. والتي اختفت واقعياً منذ أسبوعين ولم نعثر لها على أثر:
- أنت تقول هذا؟.. سأفضحك على الملأ.. سأكشف حقيقتك للناس!
- اخرسي..
صرخ بها جاري.. ثم سمعت صوت شيء معدني، وجسم يخترق آخر ليناً.. وصراخ مكتوم ثم جسد يهمد على الأرض بقوة..
تثلج ظهري في فزع وأنا أسمع صوت بكاء متشنج.. يبدو أنه لجاري، وتابعت الأصوات التي أشارت بأنه يسحب جسماً ثقيلاً.. ثم يفتح باباً عتيقاً.. ثم أصوات لارتطامات بين جسم مصمت وكتل حجرية، ووقع أقدام على دَرَج رخامي.. وكأن أحداً يسحل جسداً على هذا الدرج.. ثم أصوات حَفْر مستمر.. ثم انقطعت الأصوات.
أغلقت الجهاز وأنا أرتجف. ورحت أرقب منزل جاري من الشباك في هلع..
في المساء، كانت الشرطة تقتاد جاري المنهار وسط النظرات الذاهلة، وقد قامت الشرطة بإخراج جثة زوجته من حفرة في قبو المنزل، إثر بلاغ من مجهول بوجودها هناك.
أعتقد أن اختراعي قد أثبت أهميته.

* * *
تقمصت شخصية حامي العدالة ومناصر الحق..
وأصبحت الآن أحتفظ بتسجيلات لكل ما أسمعه عبر الجهاز الذي صرت أقضي كل يومي أمامه..
- وجدتك أخيراً يا (عتريس ) ...
وأصوات رصاصات..
حوارات كهذه كنت أحاول البحث عنها وتعقبها لعلها تفيدني في شيء، أو تبرهن فائدة (مستدعي الأصوات) الذي اخترعته..
هذه كلمات بلغة أجنبية.. لغة أعرفها :
- سيدي.. كل شيء جاهز.
ثم صوت وقور يقول في قلق:
- هل تأكدتم؟.. هل الخطة موضع التنفيذ ؟
- تماماً يا سيدي، سوف يتم القصف في موعده..
تقلصت عضلات بطني وصاحب الصوت يتابع:
- ستأخذهم المفاجأة تماماً.. ولن يبقى منهم شيء.
- أتمنى هذا. وهكذا سنضع حداً للصراع الطويل بيننا.
- بالتأكيد !
فغرت فمي في عدم تصديق. أصحاب هذه اللغة من دولة أعرفها. والوحيدون المتورطون في صراع معهم هم...
نحــن !
الملاعين.. إذن سيأخذوننا على حين غرة.
لكن بفضل اختراعي العظيم سيكون عندي أعظم إثبات للمسؤولين عن حقيقة ما سيحدث.
حملت تسجيلاتي.. والجهاز.. وذهبت لأقدم بلاغي...
وهناك احتجت لإقناعهم بالموضوع من بدايته..
أفهمتهم قصة الموجات الصوتية الخالدة.. وأخبرتهم عن مولد الذبذبات وعن استعادة الكلمات.
ثم أسمعتهم ما سجلته من ذلك الحوار، وهم أنصتوا في اهتمام بالغ، وأدركوا خطورة الوضع..
وعندما قررت العودة لمنزلي.. فوجئت بأنهم تحرزوا على الجهاز.. ليعرضوه على العلماء عندهم.. لكنهم وعدوني باحترام كافة حقوقي في الاختراع والملكية.. وطمأنوني أن احتفاظهم به سيكون مؤقتاً.. ولمجرد الاطلاع.
رجعت وكلى فخر.. لأن أبحاثي المطوَلة أنقذت البلاد من خطر محيق.. أو هكذا تصورت.. لأن الأوضاع توترت بيننا وبين من نحن في صراع معهم.. لدرجة وصلت لإعلان الحرب.
فقد كشفناهم وأبطلنا مخططاتهم.. ، ونحن الآن في حالة دفاع عن النفس.
كان حظر التجول مفروضاً عندما كنت قابعاً في بيتي بلا عمل. ولسبب ما.. أصبحت أكره الهدوء حولي.. بل أفضل أن أصغي للأصوات.. للكثير منها.
في الظروف الحالية كان السكون مخيماً تماماً.. إلا من أصوات القذائف الساقطة من حين لآخر.. لتدمر الجزء الذي نعيش عليه من العالم.. ضمن الحرب الدائرة.
شغلت التلفاز.. أقلب محطاته لأختار إحداها وأجعلها تبث أصواتها في الفضاء.. عسى أن أسمعها لاحقاً.. إذا أعادوا لي جهازي.
كان هناك فيلم أجنبي معاد.. لنفس من نحاربهم..
فيه يقول ممثل لآخر:
- سيدي.. كل شيء جاهز.
قال له الآخر في قلق:
- هل تأكدتم.. هل الخطة موضع التنفيذ ؟
عقدت حاجبيَّ وأنا أحاول أن أتذكر أين سمعت هذا الحوار..
ثم شهقت في رعب والممثل الأول يقول:
- تماماً يا سيدي، سوف يتم القصف في موعده...
ذاهلاً.. رحت أتابع هذه الأصوات.. التي ستأخذ مكانها مجدداً في أضخم مخزن نعرفه.. مخزن الأصوات الخالدة.. والحوار يتتابع...
- .. وهكذا سنضع حداً للصراع الطويل بيننا.
- بالتــأكيـد !

توقيع " ترنيمة الغيم "

"ما عييت الا أمام من سألني : من أنت؟ !
جبران خليل جبران نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة





 

رد مع اقتباس
قديم 14-11-2011, 07:54 PM
مشاركة رقم المشاركه : 13
مُلهمة الزهور
من اهل الدكه
 
الصورة الرمزية مُلهمة الزهور
الملف الشخصي







مُلهمة الزهور غير متواجد حالياً

ذاكرة أخيرة لاتموت ..

 

ذاكرة أخيرة لاتموت *

الحادية عشر والثلث مساءً، أبتلعُ قرصين من مسكن أتناولهُ للمرة الاولى، أتبعه بكأس لبنٍ بالكمونْ .. التلفاز يبث برنامجاً وثائقياً عن اكتشاف علاجٍ جديد لمرض الزهري، بينما الصوت مكتوم تماماً، لا أرى سوى مشاهد لمختبرات كئيبة مكتظة بالزجاجات المملوءة بسوائل ملونة، وأقفاص صغيرة بها فئران متسخة ومذعورة، ثمة أنابيب ضخمة وأخرى رفيعة تتصل بطريقة منهكة ببعضها البعض، رجال ونساء يظهرون بنظارات طبية قبيحة، لا أحاديث تسري بينهم، كأنهم آلات بشرية كلٌ منها منهمكة في عملها الدقيق والرتيب. بعيداً عن التلفاز أُدير موسيقى اللاهوتْ الهارب الذي طرح البكاء يوماً في زوايا المنزل، لا أعلم من أهداني هذا الكاسيت يوماً، ولم؟

لكن .. كيف قبلتُ به؟.. إنها الموسيقى التي لا تزال تخذل المرآة الشاسعة، المرآة التي في لغتي.. اللا إنعكاس لصورة القيامة الخاشعة.. شُجيرات الشرفة تشهق برقة في هذا الجو الغائم، كأنها تشي بقدوم زائر مبلل بالمطر، لا شيء يحدث حتى الآن، سوى أن اللوحة التي عليها صورة فلاح عجوز يحصد القمح قبيل المغرب يخرج يده الملطخة بالطين من الإطار ليفتح الباب للزائر، بينما لا أزال جالسة في مقعدي الجلديّ.

يدخل بروية قادماً نحوي، لا صوت لوقع قدميه، سوى سيل من ريحٍ خفيّة تأتي به إلي، حاملاً في يده علبة مسكّني الأصفر والقديم، تتدلى من ربطة عنقه بوهيمية تلك الموسيقى الضاحكة، يخرج من عينيه الجزء الأكبر من ذاكرتي التي وجدها منثورة في شارع المطار، لملمها، بينما كان عائداً من سفر مجهول، أتى بها غير مهندمة، توجس جبيني البارد بإبهامه الخشنة، وأنا معلقة عيناي على يديّ اللتين تصليان بسكون تام، وثمة زفير خافت أسمعهُ يخرج من فمي خالياً من أي رجفةٍ، أشحتُ ببصري.. كنت قد بدأت أرى روحي معلقة بشقاوة على ستار الصالون، والطفلة التي فيَّ تنتزع نفسها مني وتفاجئني بملامحها المختلفة عني تماماً، ترفع من صوت التلفاز وهي تغير المحطة إلى فيلم للأطفال، تحاكي رقص البطلة الشقراء دون أن تنبس ببنت شفة، الثريا الرخامية للصالون تتحول إلى أخطبوط ضخم وجذاب، تمد إحدى أذرعها لتعقد ضفائري ببعضها، عود جاري العجوز الذي اختلسته بعد موته دون علم أبنائه، ينهض من سكونه ويتحول إلى عازفٍ شرقيّ أسمر منزوٍ في ركن مظلم، يعزف مقطوعة يرثي فيها صاحبه القديم، بينما تتعرق يداه ووجهه وهو يتمتم بكلماتٍ لا تتناسب مع المقطوعة.

أشعرُ بدوارٍ يُسمعني صوت البحر، أغلق عينيّ.. بوسعي الآن أن أتذكر شيئاً من أسمائي المحرمة على ما يبدو، بدأت أتعرف على الزائر الأبيض الملتحي، وكأنني أتمشى برفقٍ على صوته الطريّ، والرب الذي أودع الصمت التائب في قلبي ها هو يشغلني عني أخيراً .

بدأت أتذكر كل شيء طُمر بعناية في صدري، الأشياء تتدفق بيسر حذر إلى عقلي، كتسلق سنجاب صغير على جذع شجرة لأول مرة بينما الخوف والربكة والجهل تعتريانه، أحب هذا الشعور، انتمائي إلى الذاكرة يذكرني في كل وردة تعرت من رحيقها لتحزن معي، حينما كنت وحيدة، وأنا أُمرر قلبي الذابل بين أكف الشمس، وسرب إوز تشتمُ وحدتي المفزعة، وتحيك مصيدة لطرد نذير شؤمي من بستانهن، بستان ها أنا أحاول جاهدة تذكر مكانه دون جدوى، وكأنني أملك رغبة جارفة الآن في نسيان كل شيء مقابل تذكر مكانه، لا يهم، الحلم الفضفاض يعدو إليّ وفي يده سلة كبيرة بها فاكهة جوفاء واحدة شهيّة، ورسالة صغيرة من الفلين القرمزي فارغة إلا من توقيعٍ ساخر، وابتسامة غائب من تحت التراب، وابتهال متقد بصوت أُمي يرتديني، ليتوبَ عني وينير درب الخلاص الأخضر.

إسمي ذاكرة، عند منتصف الليل تذكرت أنني إنسان انتهت دورة حياته بتذكر شيء جميل.

*حصَّه حمرور

توقيع مُلهمة الزهور

ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

رد مع اقتباس
قديم 21-11-2011, 02:41 AM
مشاركة رقم المشاركه : 14
Shdoon
حضوره مُختلف
 
الصورة الرمزية Shdoon
الملف الشخصي






Shdoon غير متواجد حالياً

ذاكرة ممسوحة / هديل الحضيف

 

لا تعلم متى تسربت أشعارك من جعبة صمتك ..
مثلما تجهل كيف أصبح حرفك المهموس ، صوتا جهوريا يتخذ من حناجر الآخرين مأوى ..
كل شؤونك الصغيرة ، تقاسمها طلاب القاعة ..
و اللقب الذي أطلقوه عليك صمتا ما : "الصندوق المغلق" ، أضحوا جميعا يملكون نسخة من مفتاحه ..
رغم كل ذلك ، لم تغير عاداتك ، وحدها نيتك التي غيرتها ، هذه المرة لم تجلس في المقعد المتواري خلف نتؤ الجدار ، هربا من المشاركة مع الدكتور ، بل من أحلامك التي استحالت إلى لوحات تتخذ من عيون الآخرين جدرانا تتعلق بها ..

قصائد درويش ، أصبحت منقوشة على دفاتر ليست لك ..
نجمك ، يتمتم به خالد ..
و مشعل يسخر من أمنياتك (التافهة) بصوت عال ..

تحاول أن تتجاهل كل ذلك بجمع شتات ذاكرتك ..
بيت للسياب .. مقطع من (جلجامش) .. أو حتى تفاصيل حلمك البارحة ..
فلا يرتد لك إلا بياض ، و صوت تخاذل القلم بين أصابعك .. و مشعل يسخر من أمنياتك مرة أخرى !

تستأذن من الدكتور لتبحث عن ذاتك التي أضعتها ..
البهو يتلقف أنفاسك اللاهثة ..
و لعنة تختلج داخلك ، تخجل من البوح بها ، على هذا الأسبوع التعِس :
" اختبار حُرمتَ منه ..
هاتف مسروق ..
و سيارة تهرّب الزيت .. "
تُغرِق تعبك في كوب قهوة ، قبل أن تنتعل الممر عائدا إلى القاعة ..

* * *

أخذت القاعة تتخلى عن الطلاب بعد أن أنهى الدكتور المحاضرة ..
و لم تستعد ذاكرتك بعد ..
كنتَ تنتظر أن يفرغ المكان ، علّك تجد سرا لم يُكتشف ، في أحد زوايا القاعة ..
وحده .. مشعل .. لم يخرج ..
انكفأت على مقعدك ..
و أخذت تعبث ببياض الورق أمامك .. منتظرا خروجه ..
اقترب منك ، و يده متوارية في جيبه ..
لملمت شخبطاتك ، و استعددت للرحيل ..
- هيه .. وين يا أبو عز ؟
- طالع ..
- مضيع شي ..؟
تنظر إليه ، و ثمة (نعم) تريد أن تقولها .. فيخذلك صوتك ..
- ما عليك شرهه .. حاط ذاكرتك بجوالك ، من وين بتذكر شي ؟!!
أخرج هاتفك من جيبه ، و وضعه على الطاولة المبسوطة أمامك ، بطريقة تشي بالفضل ..

- معليش أبو عز ، أنت نسيته بالكافيتيريا الأسبوع اللي فات .. و حبينا نتسلى فيه أنا و الشباب .. قبل ما نرجعه لك ..

لم تسمع ما قاله ، لأنك كنتَ مشغولا بفتح (الحافظات الشخصية) ، و لم يسمع منك إلا صرخة ألم حينما وجدتَ :

(فـــــــــــــــــــارغ) ، تتربع على صدر الشاشة !!

::: .... ArabicStory.net ... :::

رد مع اقتباس
قديم 12-01-2012, 05:56 AM
مشاركة رقم المشاركه : 15
" ترنيمة الغيم "
ناقدة سينمائيه
 
الصورة الرمزية " ترنيمة الغيم "
الملف الشخصي






" ترنيمة الغيم " غير متواجد حالياً

 

في إثر خطـاها



كثيراً ما أُصادفُها في ممرات السوق تطوف كالنسمة الرقيقة، بوجهها المتألق، ولباسها المتأنق، تحت عباءة تخنق أنفاسُ جسدِها المكتنز، لتجحظ كل بروزاته. وكأنها في خُطاها تطأ ورودَ باريسَ فتنشر العبق في أنوف لا تخطئ عطرَها .كانت في كل زيارة للسوق تحمل معها كل مؤهلاتها .. وجه .. وجسد .. فتجدُ القبولَ في كل العيون .
والسوق الغاص بأرتال البشر ، من كل جنسٍ ولون . لا تقعُ الألحاظُ فيه إلا عليها ، ولا تلتوي الأعناقُ فيه إلا إليها . كثيراً ما تلتقط أذني “المحل مزحوم ، سأنتظركِ في الخارج” . فأرى زوجةً تدخل المحل ، وزوجاً يبقى في الخارج ، يرسل نظرات الاشتهاء لتلك السائرة . أما القادمون لوحدهم ، فأرى أقدامهم تقفوا أثار أقدامها . يتوقفون إن وقفت ، ويمشون إن مشت . وكالأزاوجِ أجدُهم ينتظرون خارج كل محلٍ تخطو إليه أقدامُها ، إلا أن نظراتَهم كانت أكثرَ إخلاصاً للداخل .
تصرّمت أشهرٌ وأنا على هذه الحال . أرتشف ملامِحَها في حضورها ، وأتلمَّسُ أطيافَها في غيابها ، أتذكر شكلها الذي حفظته أكثر من شكل أمي ، فأتوهم أني حفظته . وحينما أراها مرةً أخرى أجدُها مختلفةً كلياً عن ما رأيتُ في السابق . فالوجه في كل يومٍ أجمل ، والشعر يتماوج بين الفحم والجمر والنار . والشفاهُ تزهرُ تارةً ، وينمو عليها البنفسجُ تارةً أخرى ، وكثيراً ما تصرخ بالأحمر . والعيون بحور لا يُعرف لها لون ، ولا جهة ، وإن كانت شواطئُها رصفت بعنايةٍ برمالٍ من كحل . في كل مرةٍ انظر إليها أجدها لا تكترث لنظراتي ، فابتسم حين أتذكر اضطراب وجـه أختي إذا نظر إليها الطبيب .
وفي كل ليلةٍ أعودُ فيها إلى غرفتي ، أستدعي ما جدَّ من أطيافِها في ذاكرتي ، لأزيدَ من بهاءِ اللوحةِ ، التي ازدادت بياضاً بتفاصيل وجهها .
ويحترق ليلي وأنا أُخاطب اللوحة ..
ذات جنون ، أقسمتُ بخالقِ نحرها الكريستالي ، أن أوقِعَها في حبالي ، كما وقعتُ في حبالها .. وأن أجعلها تزرع صورتي بين حدقتيها .. واسمي بين شفتيها .. وأن أرغمها على تقليبِ رسائلي بين كفيها ، وتقبيل حروفها ، وغسلها من رشق عينيها الكحيلتين دائماً .. وأن يتفطرَ قلـبُها في غيابي ، كما يضطربُ قلبي في حضورها ..
وفي الغد .. أشرقت ..
فهي لا ييأسُ من إشراقِها مُنتظر . ألقيتُ خطواتي في دروبها ، وزاحمتُ تـُبـَّاعـَها ، حتى اقتربتُ منها .. اقتربت أكثر ، وكأني لمست كتفها الأبيض الذي تستره غيمةٌ شفافةٌ من الغطاء حين قلت :
- لو سمحتِ ..
- عفواً ؟!
- هذا الطوقُ سقط منكِ ..
أخَذَتـْـهُ منِّي بعد أن ألقت عليه نظرةً سريعة ، وألقته في الشنطة.كنت قد رأيتها منذ قليل تشتري شبيهَه .
وبصوتٍ لا نبرة فيه ، قالت :
- شكراً لك ..
ابتسمتُ وأنا أتابع ابتعادها ، بعينين محت كل من في السوقِ ولم تستبقِ سواها .
وفي غرفتي .. وبعد يومٍ موغل في الإرهاق ، والاضطراب .. أخذتُ في مداعبةِ رسمةِ وجهِها بريشتي ، فأحسستُ بالعطر يتضوع من اللوحة . كنت أحاول أن أُطابق ألوانَ الصورةِ بألوانِ وجهها الذي رأيتـُه قبل سويعات .
و ساعة أن بدأ المساءُ يصعدُ أدراجَ السماء .
أخذ الهاتفُ يتثاؤب منزعجاً من هاتفِ الليل .. حملتـُه .. تقاربَ حاجباي وأنا أرى رقماً غريباً .. هتفت :
- أهلاً ..
- طاب مساؤك..
- ومساؤكِ سيدتي ..
- لاشك أنك عرفتني..
أرسلت النظر إلى الصورةِ الماثلةِ أمامي، وحينما نظرت إلى العينين، ابتسمت نصف ابتسامة . وقلت :
- في الحقيقة .. لا
- أنا صاحبة الطوق ..
شعرتُ بأن فمها يتحرك في الصورة .. رفعت يدي مرحباً :
- أهلاً وسهلاً .. لم أكن أتوقع أن تتحقق لي أمنية بهذه السرعة ..
- أنا لم أتصل بك لأحادثك .. ولكن لأخبرك بأنك تجاوزت حدودك .. وخانك تقديرك للأمور ..
- ماذا تقصدين ؟!
وبلهجةٍ بدت لي عنيفة ، قالت :
- أقصد أنه لم يكن من اللائقِ أن تضعَ رسالتك مع الطوق ، وأن تتغـزَّل بي بهذا الشكل ..
- أهكذا تخاطبين المعجبين ؟!
- وأنت .. ألا تعرف كيف تتعاملُ مع الشريفات !!
- عفواً ؟!
- تعلم أولاً كيف تتعامل مع الشريفات ..
وأغلقتْ الهاتف ..
" ظلت كلماتـُها تُحلِّقُ في سماء الغرفة كالفراشات البيضاء .. وحدَها كلمةُ “الشريفات” اقتربت من الرسمة .. هبطت على الشعر الأحمر .. ومشت حتى لامست كحل العيون ..وطبعت خُطاها فوق أصباغ الخد ، قبل أن ترتشف من ورد الشفاه ..
وحين أرادت الطيران من جديد .. سقطت ..
كانت الأصباغُ قد أثقلت أجنحتها .."


سليمان الطويهر



المصدر

رد مع اقتباس
قديم 30-01-2012, 05:07 PM
مشاركة رقم المشاركه : 16
Shdoon
حضوره مُختلف
 
الصورة الرمزية Shdoon
الملف الشخصي






Shdoon غير متواجد حالياً

 

مطيع الهادي رجل في الخمسين من عمره، فقير الحال، طويل الصمت، لا يكاد يتحدث إلا نادراً. سبب صمته هذا هو حبسة في لسانه، تمنعه من التكلم بطلاقة، لذا يفضل الصمت على الحرج والارتباك اللذين يسببهما له الكلام.
ولدى مطيع الهادي سبعة أولاد، من بنين وبنات، أكبرهم شاب في التاسعة عشرة من عمره، ويليه في السن فتاة في السابعة عشرة... وأصغر أبنائه الذكور طفل في الخامسة، تليه فتاة في الثالثة، هي آخر ما أنجب مطيع الهادي.
وكان لدى مطيع شاة وحيدة، وراءها خروف عمره دون السنة. وكان الغلام الصغير (طاهر) وأخته الصغيرة (عزيزة) مولعين بالشاة والخروف، يسرحان بهما حول البيت، ويقدمان لهما الحشائش والأعشاب، وكِسَر الخبز اليابس، ويلهوان بهما في مرح وبهجة.. تركض الطفلة خلف الخروف، ويطرد الغلام الشاة، ويضحكان ببراءة طفولية غامرة.
كانت الأم تحلب الشاة، وتسقي طفليها حليباً دافئاً طازجاً. وكان أفراد الأسرة جميعاً يعملون، باستثناء الطفلين الصغيرين، في أعمال شتى.. الأم تعمل في البيت، والأب وابنه الأكبر يمارسان أعمالاً عادية بسيطة، مما يحتاج إلى جهد عضلي، كالعمل في أراضي الآخرين، فلاحة، وسقاية، وتعشيباً.. أو يمارسان أعمال البناء، أو غير ذلك، مما يساعدهما في تأمين لقمة العيش لأفراد الأسرة. أما الفتاة الكبرى، وإخوتها الآخرون، فيعملون في مواسم جني المحاصيل، فيكسبون شيئاً يسيراً من المال، ليشتري كل منهم بما حصل عليه من دراهم ثوباً لنفسه أو حذاءً.
وذات صباح، حضر أحد أعوان المختار إلى بيت مطيع، فوجده جالساً أمام داره، يتدفأ بشمس الربيع، فدار بينهما الحوار التالي:
قال الرجل: هل تحب مصلحة القرية يا مطيع؟
قال مطيع، وقد فاجأه السؤال، بلسان ثقيل جداً: نعم يا سيدي.
الرجل: وهل أنت مستعد للتضحية في سبيلها؟
مطيع: طبعاً.. ولكن..
كان مطيع يحاول أن يختصر كلامه إلى أدنى حد ممكن، بسبب حبسة لسانه التي تشكل له ضيقاً شديداً عند الكلام، وكانت لديه أشياء كثيرة يمكن أن يقولها، ويود أحياناً أن يقولها، إلا أن عقدة لسانه تمنعه من التعبير عما في نفسه.
قال الرجل: وما دليلك على هذا الاستعداد؟
قال مطيع: تاريخي في القرية يشهد لي.
قال الرجل: دعنا من التاريخ، نريد دليلاً من الواقع الحي.
مطيع: هل يستعد أعداؤنا للهجوم علينا؟
الرجل: إنهم مستعدون دائماً، إلا أنهم الآن لا يهددوننا بشكل مباشر.
مطيع: ماذا تعني؟
الرجل: نحن الآن لسنا بحاجة إلى رجال يقاتلون الأعداء.. بل إلى مال.
مطيع: من أجل ماذا؟
الرجل: لنكمل استعدادنا، ونقوي أنفسنا.. نشتري خيلاً، وسلاحاً، وغير ذلك.
مطيع: وماذا تريد مني؟
الرجل: أريد أن تضحي ببعض المال، من أجل مصلحة القرية.
مطيع: وهل تعلم أن لدي مالاً؟
الرجل: نعم.. ولذلك جئت إليك.
مطيع: وما المال الذي عندي؟
الرجل: لديك مال كثير، ويجب أن تحمد الله على نعمه، وتشكره على فضله. وأوضح تعبير عن شكر النعمة، هو التضحية ببعضها من أجل الصالح العام، فمثلاً: لديك أبناء وبنات يعملون ويكسبون المال.. ولديك شاة سمينة حلوب.. ولديك خروف طري سمين.. وفوق هذا كله، لديك صحتك وصحة أهلك وأبنائك، التي هي من أجل النعم.. أليس كذلك يا مطيع؟
قال مطيع متضاحكاً: إني أغنى من قارون دون أن أدري.. الحمد لله على كل حال.
قال الرجل: أتسخر من نعمة الله يا رجل!؟
قال مطيع: أعوذ بالله.
الرجل: إذن يجب أن تثبت ذلك بشكر النعمة.
مطيع: وماذا أعطيك؟
الرجل: أيسر ما تملك.. فلن نكلفك بما يصعب عليك تحمله.
مطيع: قل لي بالضبط ماذا تطلب؟
الرجل: كان الأفضل أن تختار أنت ما تحب التضحية به للصالح العام.. لكن مادمت قد خيرتني وأحرجتني، فلن أطلب منك إلاّ أقل شيء ممكن.
مطيع: ماذا؟
الرجل: الخروف.
احمرّ وجه مطيع، وازدادت حبسة لسانه، إلا أنه تجلد، وقال بصعوبة بالغة: الخروف؟
قال الرجل: الخروف.. نعم الخروف.. ذاك الذي يلعب به طفلاك قرب البيت.. سنريحك ونريح أهلك من مشقة إطعامه وسقايته.
قال مطيع باسماً: هذه خدمة عظيمة تقدمونها لي!
قال الرجل جاداً: طبعاً.. لكنا لن نمن عليك بذلك، فإن أهم واجب عندنا هو إسعاد المواطنين، ولعلك تلاحظ جيداً، أننا أتحنا لك فرصة ممتازة لخدمة الصالح العام، بأيسر جهد وأقل كلفة، مما يكسبك فخراً من ناحية، ولا يرهقك من ناحية أخرى، بل ويريحك من ناحية ثالثة، إذ يوفر عليك رعاية الخروف كما ذكرت لك.
قال مطيع: لكن..
قال الرجل مقاطعاً، وهو يرمي إلى وضع مطيع تحت الأمر الواقع، ليقطع عليه تردده، ويجعله يرضى ببذل ما يطلب منه: وأظنك تلاحظ جيداً يا سيد مطيع، أننا لم نطلب منك الخروف وأمه مثلاً.. كما لم نطلب منك الآن إرسال زوجتك وأولادك ليعملوا في بيت المختار.. كما لم نطلب منك أنت مثلاً أن تعمل سخرةً في البناية الجديدة التي يبنيها نائب المختار، كما يعمل غيرك من رجال القرية.
مطيع: ولكن..
الرجل مقاطعاً: لا تقل (لكن) يا سيد مطيع.. إنك رجل طيب، وشهم، وكريم.. ولذلك كله، تراني أحبك وأدافع عنك أمام المختار.. ألا تذكر كم مرة أرحناك من السخرة؟ أتنكر يا سيد مطيع؟ قل لي: هل كلفك أحد بالعمل في البناية التي بناها المختار منذ ثلاث سنين في سفح الجبل؟ وهل طلب منك العمل في البناية التي بناها المختار لابنه حين زوجه منذ سنتين؟ وهل عملت في بناية صهره، أو بناية أخيه؟ وهل رعيت مدة أسبوع كامل، كما يفعل غيرك؟ قل لي يا سيد مطيع، قل لي: ماذا قدمت للصالح العام في هذه المجالات كلها؟ هل تحسب نفسك معفىً من خدمة المصلحة العامة دون سبب؟ لا.. هناك سبب قوي، وهو أنني أحبك وأطلب إعفاءك دائماً من هذه الأعمال.. ولقد كان المختار يسايرني دائماً، ويقبل شفاعتي فيك.. لكن إلى متى؟ إنني لن أضمن قبول هذه الشفاعة إلى الأبد.. لذا، أرجو أن تتعاون معي من أجل مصلحتك.. من أجل مصلحتك ومصلحة أولادك.. ولن أطلب منك شيئاً لنفسي، فإن إحساسي بأنني أؤدي واجبي تجاه المصلحة العامة، هو أفضل ثمن أتقاضاه عن أتعابي المضنية.
دمعت عينا مطيع إزاء ما يرى من لطف الرجل وكرمه وسماحة نفسه، فقال له: إني أعطي الخروف من أجلك يا سيدي الكريم.. من أجلك فقط.
قال الرجل باسماً: ما عرفتك إلا شهماً كريماً يا سيد مطيع، محباً للمصلحة العامة، مضحياً في سبيلها.
قال مطيع متأثراً: أعاننا الله على خدمة المصلحة العامة.
قام الرجل ومطيع، ومشيا إلى حيث الشاة والخروف والطفلان، فأمسك مطيع بالخروف، وسلمه للرجل، الذي انطلق به باتجاه بيت المختار، والطفلان ينظران بذهول، دون أن يفهما شيئاً.
قال الغلام لأبيه مستفسراً: إلى أين ذهب الخروف يا أبي؟
قال الأب: ذهب إلى بيت المختار يا بني.
قال الغلام: ولم يا أبي؟
قال الأب: من أجل المصلحة العامة يا بني.
قالت الفتاة: وماذا ستفعل المصلحة العامة بخروفنا يا أبي؟
قال الأب: ستربيه لنا حتى يصبح كبشاً له قرنان كبيران.
قال الغلام: ولم يصبح له قرنان يا أبي؟
قال الأب: لكي ينطح بهما الأعداء يا بني.
قال الغلام: أخشى أن ينطحنا بهما يا أبي.
اغرورقت عينا الأب بالدموع لهذا المنطق البريء، وأهوى على طفليه يقبلهما، ويقول بلسان ثقيل: لا تخافا يا ولديّ من قرني الخروف، ولا تحزنا لفقده.. فالله كبير يا ولديّ.. الله كبير.. هل تعرفانه؟ إنه كبير.. كبير..
كان نوم الطفلين متقطعاً في الليل، يريان الخروف في أحلامهما.. وكانت مشاعر الأسى لدى الأم وأبنائها الآخرين، منصبة على حزن الطفلين، أكثر من انصبابها على فقد الخروف، ولم يستطع أفراد الأسرة أن يفهموا المصلحة العامة، بالطريقة التي فهمها مطيع، لذا ظلوا حائرين متشككين، لا يستطيعون أن يجزموا بشيء.
وفي الصباح، اتجه الطفلان إلى بيت المختار، مدفوعين بالحنين إلى الخروف، فنظرا من خلف السور، ليريا جلد الخروف معلقاً على حبل، ورأسه ملقى في إحدى زوايا البهو الواسع، والجزار يقطع أوصاله بسكين حادة، تلمع تحت ضوء الشمس..
همس الغلام لأخته: أليس هذا جلد خروفنا؟
قالت الفتاة هامسة: إنه يشبهه.. والرأس الملقى هناك يشبه رأسه.. لكنه ليس خروفنا.. إنهم لن يذبحوا خروفنا.
قال الغلام: ولم لا؟
قالت الفتاة: ألم يقل أبي إنهم سيربونه لنا، حتى يصبح كبشاً له قرنان كبيران؟
قال الغلام: بلى.. بلى.. لقد نسيت، إنه ليس خروفنا.. لكنه يشبهه كثيراً.
قالت الفتاة (عزيزة): إن الخراف تتشابه كثيراً.
قال الغلام (طاهر): إنه جميل جداً مثل خروفنا.. فلم ذبحوه؟
قالت عزيزة: يبدو أنهم ذبحوه للمصلحة العامة.. ألم تسمع أبي وهو يتحدث عنها؟
قال طاهر: بلى بلى.. سمعته.. إن المصلحة العامة تحب الخراف كثيراً.. بعضها تذبحه وتأكله، وبعضها تربيه حتى يكبر ويصير في رأسه قرون كبيرة.
قال عزيزة: هيا نذهب إلى البيت.
قال طاهر: كيف نذهب دون أن نرى الخروف؟
قالت عزيزة: وكيف نراه؟ لا شك أنهم ربطوه في الحظيرة.
قال طاهر: أية حظيرة؟
عزيزة: حظيرة المصلحة العامة.
طاهر: وأين هي؟
عزيزة: لا أدري؟
طاهر: يجب أن نعرف مكانها لنشاهد الخروف.
عزيزة: وكيف نعرف؟
طاهر: نسأل ذاك الرجل الجزار عن مكانها.
عزيزة: لو سألناه فسوف يسمعون صوتنا ويضربوننا.
طاهر: ننتظره حتى ينتهي من عمله ويخرج.
وظل الطفلان يسترقان النظر إلى الجزار، حتى انتهى من عمله، وغسل يديه وخرج من البيت، فوقفا على بعد خطوات من السور، وسألته الفتاة: يا عم، أين حظيرة المصلحة العامة؟
قال الجزار مستغرباً: أية حظيرة يا بنية؟ وأية مصلحة عامة؟
قال طاهر: نريد أن نشاهد خروفنا يا عم.. لقد أخذوه بالأمس من أجل المصلحة العامة.
قال الجزار مبتسماً، وقد أدرك مغزى حديث الطفلين: نعم، نعم.. إنه هناك يا بني.. جلده معلق على الحبل، ولحمه في القدر.. إنه خروف جميل.. لقد كنتما تحبانه، أليس كذلك؟
قالت عزيزة: ولكن يا عم، هذا الذي على الحبل ليس جلد خروفنا.. إن خروفنا سيصبح كبشاً، وتنبت في رأسه قرون كبيرة.. هكذا قال أبي.
قال طاهر معقباً: نعم نعم.. وستأخذه المصلحة العامة معها إلى الحرب لينطح الأعداء.
ضحك الجزار لهذا الحديث، وأراد أن يعزّي الطفلين، وأن يمنّيهما بشيء ينسيهما مأساتهما بفقد الخروف، ويطرد من رأسيهما الصغيرين الخيالات والأوهام، فقال: إن لحم خروفكما طيب أيها الطفلان العزيزان.. وأرجو أن تقدم زوجة المختار لكل منكما قطعة دسمة منه، لتستمتعا وتنسيا هذه الأوهام الغريبة.
قالت عزيزة بحزن: أأنت متأكد يا عم من أن الذي ذبحته هو خروفنا؟
قال الجزار بابتسامة حانية: نعم يا بنيتي نعم.. ولا تنسيا ما قلته لكما عن لحمه اللذيذ.
انصرف الجزار وظل الطفلان في حيرة.
قال طاهر وهو يتنهد: لقد جعت.. ألم تجوعي أنت؟
قالت عزيزة وهي تجذب نفساً عميقاً وتطلق حسرة أليمة: بلى.. إنني جائعة، لكن ليس كثيراً.
قال طاهر: هيا بنا إلى البيت لنأكل.
قالت عزيزة: هيا بنا.
انطلق الطفلان يسيران بهدوء نحو البيت، وهما يفكران بالخروف.
قالت الفتاة: سأسأل أبي.
قال الغلام: عن أي شيء؟
قال الفتاة: عن الحظيرة.. لعله يعرف مكانها.
قال الغلام: ولم تسألينه عنها؟ إن الخروف ليس فيها.
قالت الفتاة: لا بد أنه فيها.
قال الغلام: ألم يقل الجزار إنه ذبحه؟
قالت الفتاة: إنه يكذب علينا.. لقد قال أبي إنهم سيربونه حتى يصير كبشاً، وتنبت في رأسه قرون كبيرة.
قال الغلام: ولم يكذب علينا الجزار؟
قالت الفتاة: لا أدري.. سأسأل أبي.. سأقول له: لم يكذب علينا الجزار؟
قال الغلام: وأنا سأسأله أيضاً.
قالت الفتاة: عن أي شيء؟
قال الغلام: عن المصلحة العامة؟
قالت الفتاة: عن حظيرتها؟
قال الغلام: لا.. بل عنها هي.
قالت الفتاة: يجب أن تسأل أمي عنها.
قال الغلام: ولم؟
قالت الفتاة: لأنها امرأة.. وأمي امرأة.
قال الغلام: صدقت.. إن أبي رجل، ولا يجوز أن نسأله عن النساء.
قالت الفتاة: وماذا ستسأل أمي؟
قال الغلام: سأقول لأمي: يا أمي خبريني عن المصلحة العامة، هل هي كبيرة مثلك، أم صغيرة مثل أختي عزيزة؟
قالت الفتاة: وإذا كانت كبيرة، ماذا ستفعل؟
قال الغلام: سأقول لها: يا خالتي مصلحة، ماذا فعلت بخروفنا؟
ضحكت الفتاة وقالت: إنها لن تجيبك؟
قال الغلام: ولم؟
قالت الفتاة: لأنك قلت لها: يا خالتي مصلحة.
قال الغلام: وماذا يجب أن أقول؟
قالت الفتاة: يجب أن تقول: يا خالتي يا مصلحة عامة.
قال الغلام: صدقت.. سأقول لها: يا خالتي يا مصلحة عامة.
قالت الفتاة: وإذا دلتك على الخروف، ماذا ستفعل؟
قال الغلام: سأذهب إليه.. وأضمه، وأقبله، وأقول له: يا خروفي الجميل، ماذا تطعمك خالتي المصلحة العامة؟ وماذا تسقيك؟ هل تطعمك عشباً طرياً، وزهراً من زهر الربيع كما نفعل نحن؟ أم تسرح بك في البرية؟ أم تطعمك خبزاً يابساً كما تفعل جارتنا أم حسن بخرافها..؟
قالت الفتاة: وإذا كانت المصلحة العامة صغيرة مثلي، فماذا ستقول لها لتدلك على الخروف؟
قال الغلام: سأقول لها: يا مصلحة عامة دليني على مكان خروفنا، وسأطلب من أبي قرشاً وأعطيك إياه.
قالت الفتاة: وإذا لم تصدقك؟
قال الغلام: سأقول لها: والله.. والله.. يا أختي يا مصلحة عامة إني سأعطيك قرشاً.
قالت الفتاة: حسناً يجب ألا ننسى.. أنا أسأل أبي: (لماذا يكذب علينا الجزار)، وأنت تسأل أمي عن المصلحة العامة.. أليس كذلك يا طاهر؟
قال الغلام: بلى يا عزيزة بلى.. ولكننا جائعان، ويجب أن نأكل أولاً.. أليس كذلك؟
قالت الفتاة: بل يجب أن نسأل أولاً.. لئلا ننسى.
قال الغلام: صدقت.. سأسأل أمي من حين وصولنا إلى البيت.
قالت الفتاة: وأنا سأسأل أبي أيضاً.
وصل الغلام وأخته إلى البيت، وكان الوقت ضحىً، وحين دخلا، وجدا أمهما تستقبلهما بعبوس قائلة: أين كنتما أيها الشقيان؟ لقد بحثنا عنكما في كل شوارع القرية..!
ارتبك الطفلان، وظلا صامتين، ينظر أحدهما إلى الآخر بحيرة وقلق. لم يخطر في بالهما هذا الموقف، ولا أعدّا له عدّة.
كررت الأم سؤالها بلهجة قاسية: أين كنتما؟ لم لا تجيبان!؟
قال الغلام مرتبكاً: نحن يا أمي.. نحن يا أمي.. كنا.. كنا.. كنا يا أمي.. لقد.. لقد ذهبنا يا أمي.. إلى.. إلى بيت.. إلى بيت المختار يا أمي..
قالت الأم بدهشة: إلى بيت المختار!؟ وماذا تفعلان هناك أيها الشقيان!؟
قال الغلام بوجلٍ، مخاطباً أخته: قولي لأمي يا عزيزة.. قولي لها ماذا كنا نفعل.
قالت الفتاة بارتباك: كنا يا أمي.. كنا نبحث عن الخروف.. نعم كنا نبحث عن الخروف.
أجهشت الطفلة بالبكاء، فانفجر أخوها باكياً كذلك.. وزالت حدة الأم، ثم تملكها إشفاق حزين، وانهملت الدموع من عينيها، وضمت طفليها بحنان، وهما ينشجان، وهي تنشج لنشيجهما، محاولة تخفيف حزنهما بصوت مخنوق.
بعد فترة صمت يسيرة قالت الفتاة بصوت متقطع: أين أبي يا أمي؟
قالت الأم: لقد ذهب يبحث عنكما.
قالت الفتاة: وهل ذهب إلى بيت المختار؟
قالت الأم: وما يدريه أنكما كنتما هناك؟
قالت الفتاة: إن الخروف هناك يا أمي.
قال الأم: حسنٌ.. كان يجب أن يفطن إلى ذلك، ولكنه نسي.
قالت الفتاة: ومتى سيعود يا أمي؟
قالت الأم: سيعود قريباً إن شاء الله.. ولكن لم أنت متلهفة عليه هكذا!؟
قالت الفتاة: أريد أن أسأله يا أمي.
قالت الأم مستفسرة: تسألينه!؟ تسألينه عن أي شيء؟
قالت الفتاة: أريد أن أسأله: لم يكذب علينا الجزار؟ نعم.. لم يقول لنا إنه ذبح خروفنا للمختار وعلق جلده على الحبل، وألقى برأسه في الزاوية!؟
قالت الأم: وهل رأيت جلد الخروف ورأسه يا عزيزة؟
قالت الفتاة: نعم يا أمي.. ولحمه كذلك.. لقد رأينا أنا وطاهر كل ذلك.. وقال لنا الجزار: إن الجلد هو جلد خروفنا، والرأس رأسه، واللحم لحمه.. ولكن الجزار كان يكذب علينا يا أمي.. فقد قال أبي إن خروفنا ذهب إلى المصلحة العامة، كي تربيه، وتطعمه عشباً، وتسقيه ماءً، فيسمن ويكبر ويصبح كبشاً له قرنان كبيران ينطح بهما الأعداء.
قال الغلام: نعم يا أمي وأنا أريد أن أسألك عن المصلحة العامة، أهي امرأة كبيرة مثلك، أم صغيرة مثل أختي عزيزة؟
ضحكت الأم ضحكة فاترة لهذا السؤال الغريب، وقالت لابنها بحنان: وهل تحب أن تلعب معها يا طاهر؟
الغلام: لا يا أمي.. أريد أن أسألها عن مكان خروفنا.
الأم: تقصد خروفنا الذي ذبحه الجزار؟
الغلام: لا يا أمي.. خروفنا الذي لم يذبحه الجزار، بل الذي سيصبح كبشاً له قرنان كبيران ينطح بهما الأعداء.
الأم: حسن يا بني.. أنا لا أعرف هذه المرأة، وبإمكانك أن تسأل أباك عنها.
الغلام: ولكن أبي رجل، ولا يعرف النساء.
الأم: ولكنه هو الذي أعطى الخروف لمعاون المختار، لأجل المصلحة العامة.
الغلام: وكيف يعرفها أبي إذا كنت أنت لا تعرفينها!؟
الأم: أنا لا أعرفها بالضبط يا بني.. لكن أسمع الناس يقولون: إنها ليست مثلنا نحن البشر.. إنها.. إنها صغيرة مثل أختك عزيزة هذه.. ولكنها لا تتكلم ولا تأكل ولا تشرب ولا تنام ولا تلعب.
الغلام: فما هي إذن يا أمي؟ أهي لعبة؟
الأم: إنها تشبه اللعبة.. وقد أرسل إليها أبوك الخروف لتلعب معه قليلاً.
الغلام: وكيف تلعب معه إذا كانت لا تلعب؟ ألم تقولي: إنها لا تلعب؟
قالت الأم وهي حائرة من منطق الطفل: والله يا بني لا أدري.. أتلعب معه، أم تلعب به، أم يلعب بها؟ المهم أن الخروف ذهب إليها ولا أعلم ماذا ستفعل به.
الفتاة: وهل المصلحة العامة مقيمة في بيت المختار يا أمي؟
الأم: أجل يا بنيتي.
الغلام: وهل هي قريبة له يا أمي؟ أعني هل هي أمه أم أخته أم ابنته..؟
الأم: لست أدري يا بني.. سل أباك عن هذا الأمر، فهو يعرفه أكثر مني.
الغلام: حسن يا أمي، ولكن أخشى أن يكون أبي مثلك، لا يعرف شيئاً.
قالت الفتاة: نحن جائعان يا أمي، أفلا تضعين لنا طعاماً؟
قالت الأم باسمة: بلى يا بنيتي.. انتظري قليلاً.
قامت الأم، وجلبت للطفلين رغيفاً من خبز الصاج اليابس، وقدحاً من اللبن الرائب، ووضعته أمامهما، وهي تقول: كلا يا صغيري العزيزين، سأخرج قليلاً لأجمع بعض عيدان الحطب وأعود.
قال الغلام وهو يحتسي شيئاً من اللبن: لقد قال لنا الجزار إن لحم الخروف طيب جداً ولذيذ.
قالت الفتاة: نعم.. إنه لم يكذب علينا هذه المرة.. إن لحم الخروف أطيب من الخبز اليابس واللبن الحامض.
قال الغلام: أنا أحب لحم الخروف.
قالت الفتاة: وأنا كذلك.
قال الغلام: سنذهب بعد قليل إلى هناك.
قالت الفتاة: إلى بيت المختار؟
قال الغلام: نعم.
قالت الفتاة: أما تخاف أن تغضب أمي ثانيةً؟
قال الغلام: لن تغضب.. إنها تحبنا، وحين تعلم أننا أكلنا لحم خروف، ستسر منا.
قالت الفتاة: وإذا منعتنا من الذهاب؟
قال الغلام: سنغافلها ونذهب ثم نعود سريعاً، بعد أن نأكل من لحم الخروف.
انتهى الغلام وأخته من أكل الخبز وشرب اللبن، وقاما يركضان حول البيت في مرح، وأمهما تراقبهما من بعيد.
حين عاد الأب ووجد الطفلين يلعبان قرب البيت، صاح فيهما طالباً منهما المجيء إليه، وفي وجهه ملامح غضب وإرهاق، فنادته الأم، وحدثته عن سبب غياب الطفلين فانهملت الدموع من عينيه، ودخل البيت، فاضطجع بهدوء، وسبح في تفكير عميق.
غافل الطفلان أهلهما، وتسللا إلى بيت المختار مرة ثانية، كان الوقت ظهراً حين وقفا قرب السور، وأخذا يسترقان النظر إلى داخل البيت.. كانت روائح اللحم تملأ المكان.. لقد أمر المختار زوجته أن تعدّ أصنافاً شتىّ من الطعام.. تغلي بعض اللحم في القدر.. وتشوي بعضه على النار.. فاختلط قتار القدر برائحة الشواء. كان أولاد المختار وبناته يمضغون قطع اللحم بتلذذ واستمتاع، وكلما انتهى أحدهم من ابتلاع قطعة، ناولته أمه قطعة أخرى.
كان الطفلان ينظران إلى أولاد المختار، وعيونهما تنتقل مع قطع اللحم، من واحدة إلى أخرى.. وكلما بلع ابن من أبناء المختار لقمة، بلع كل من الطفلين ريقه.. وإذا تلمظ أحد أبناء المختار متلذذاً، تلمظ معه الطفلان، ومصّ كل منهما شفتيه دون شعور أو إدراك.. إنهما لم يأكلا لحماً منذ شهور طويلة.
كان الطفلان في حالة من الذهول الغريب.. عيونهما تراقب اللحم والأفواه، وشفاههما تتحرك دون وعي، مع كل لقمة. وكان أبوهما الذي افتقدهما مرة ثانية قد عرف أين اتجها، فاتجه إلى مكانهما، فرآهما على هذه الحال.. تأملهما لحظة فكاد ينهار، إلا أنه تماسك وضمهما إليه بحنان شديد، وقد احتبس الدمع في عينيه، مع احتباس الألفاظ تحت لسانه.. ثم قادهما ومضى إلى البيت صامتاً.
عبد الله عيسى سلامة







آه منك ياأيتها المصلحة العامة ألم تشبعي بعد

رد مع اقتباس
قديم 13-02-2012, 06:36 PM
مشاركة رقم المشاركه : 17
April
حَرفهُ أمنية
الملف الشخصي






April غير متواجد حالياً

أنطون تشيخوف / لمن أشكو كآبتي.

 

غسق المساء.. ندف الثلج الكبيرة الرطبة تدور بكسل حول مصابيح الشارع التي أضيئت لتوها، وتترسب طبقة رقيقة لينة على أسطح المنازل وظهور الخيل, وعلى الأكتاف والقبعات.. والحَوذي (أيونا بوتابوف) أبيض تماماً كالشبح.. انحنى متقوساً، بقدر ما يستطيع الجسد الحي أن يتقوس وهو جالس على المقعد بلا حراك.. ويبدو أنه لو سقط عليه كوم كامل من الثلج فربما ما وجد ضرورة لنفضه……. وفرسه أيضاً بيضاء تقف بلا حراك وتبدو بوقفتها الجامدة وعدم تناسق بدنها وقوائمها المستقيمة كالعصي حتى عن قرب أشبه بحصان الحلوى الرخيص، وهى على الأرجح مستغرقة في التفكير؛ فمن أُنتزع من المحراث من المشاهد الريفية المألوفة وأُلقي به هنا في هذه الدوامة المليئة بالأضواء الخرافية و الصخب المتواصل والناس الراكضين لا يمكن ألا أن يفكر…..

لم يتحرك ايونا وفرسه من مكانهما منذ وقت طويل. كانا قد خرجا من الدار قبل الغداء ولكنهما لم يستفتحا حتى الأن، وها هو ظلام المساء يهبط على المدينة، ويتراجع شحوب أضواء المصابيح مفسحا مكانه للالوان الحية, وتعلو ضوضاء الشارع .
ويسمع ايونا : يا حوذي! إلى فيبورجسكا ! يا حوذي!
يتنفض ايونا ويرى، من خلال رموشه المكللة بالثلج، رجلا عسكريا في معطفه بقلنسوة. ويردد العسكري : إلى فيبورجسكايا, ماذا هل أنت نائم؟ إلى فيبورجسكايا! ويشد أيونا اللجام؛ علامة الموافقة، فتتساقط إثر ذلك طبقات الثلج من على ظهر الفرس ومن على كتفيه…..ويجلس العسكري في الزحافة، ويطقطق الحوذي بشفتيه ويمد عنقه كالبجعة وينهض قليلا ويلوح بالسوط بحكم العادة اكثر مما هو بدافع الحاجة وتمد الفرس ايضاً عنقها, وتعوج سيقانها وتتحرك من مكانها بتردد….. وما إن يمضي ايونا بالزحافة حتى يسمع صيحات من الحشد المظلم المتحرك جيئة وذهاباً: إلى أين تندفع أيها الأحمق! أي شيطان ألقى بك؟ الزم يمينك! .. ويقول العسكري بانزعاج: أنت لاتجيد القيادة! الزم يمينك!
ويسبه حوذي عربة حنطور، ويحدق أحد المارة بغضب وكان يعبر الطريق فاصطدمت كتفه بعنق الفرس وينفض الثلج عن كمه، ويتملل ايونا فوق المقعد وكأنه جالس على جمر ويضرب بمرفقيه في كلا الجانبين ويدور بنظراته كالممسوس وكأنما لا يفهم أين هو ولماذا هو هنا.
ويسخر العسكري : يا لهم جميعا من أوغاد! كلهم يسعون إلى الاصطدام بك أو الوقوع تحت أرجل الفرس.. إنهم متآمرون ضدك.. يتطلع ايونا إلى الراكب ويحرك شفتيه….يبدو أنه يريد أن يقول شيئا ما ولكن لا يخرج من حلقه سو الفحيح.
فيسأله العسكري: ماذا؟
يلوي ايونا فمه بابتسامة ويوتر حنجرته ويفح :
- أنا يا سيدي.. هذا الأسبوع ..ابني مات .
- ممم!.. مات أذن؟
يستدير ايونا بجسده كله نحو الراكب ويقول:
- ومن يدري؟ .. يبدو أنها الحمى .. رقد في المستشفى ثلاثة أيام ومات… مشيئة الله.
ويتردد في الظلام:
- حاسب يا ملعون ! هل عَميت أيها الكلب العجوز؟ افتح عينيك!
ويقول الراكب:هيا, هيا سر، بهذه الطريقة لن نصل ولا غدا. عجّل! ويمد الحوذي عنقه من جديد، وينهض قليلا ويلوح بالسوط بحركة رشيقة متثاقلة، ويلتفت إلى الراكب عدة مرات ولكن الأخير كان قد أغمض عينيه ويبدو غير راغب في الإنصات. وبعد أن أنزله في فيبورجسكايا توقف عند إحدى الحانات، وانحني متقوسا وهو جالس على مقعد الحوذي, وجَمُد بلا حراك مرة أخرى.. ومن جديد يصبغه الثلج الرطب؛ هو وفرسه باللون الابيض، وتمر ساعة وأخرى.
على الرصيف يسير ثلاثة شبان وهم يطرقعون بأحذيتهم في صخب ويتبادلون السباب؛ اثنان منهم طويلان نحفيان والثالث قصير أحدب .. ويصيح الأحدب بصوت مرتعش:
- يا حوذي إلى جسر الشرطة! ثلاثة ركاب….بعشرين كوبيكا.
يشد ايونا اللجام ويطقطق بشفتيه ليست العشرون كوبيكا بسعر مناسب ولكنه في شغل عن السعر…. فسواء لديه روبل ام خمسة كوبيات…المهم أن يكون هناك ركاب…يقترب الشبان من الزحافة وهم يتدافعون بألفاظ نابية ويرتمي ثلاثتهم على المقعد دفعة واحدة. وتبدأ مناقشة حادة من الاثنين اللذين سيجلسان ومن الثالث الذي سيقف؟، وبعد سباب طويل ونزق وعتاب يصلون إلى حل : الأحدب هو الذي ينبغي أن يقف باعتباره الأصغر.. فيقول الأحدب بصوته المرتعش وهو يثبت أقدامه ويتنفس في قفا ايونا: هيا عجل! اضربها بالسوط! يا لها من قبعة لديك يا أخي! لن تجد في بطرسبرج كلها أسوأ منها…..
فيقهقه ايونا : هذا هو الموجود….
- اسمع أنت أيها الموجود عَجّل، هل تسير هكذا طول الطريق؟ ألا تريد صفعة على قفاك؟
ويقول أحد الطويلين: رأسي يكاد ينفجر؛ شربت بالأمس أنا وفاسكا عند آل دوكماسوف أربع زجاجات كونياك نحن الاثنين.. ويقول الطويل الأخر بغضب: لا أدري ما الداعي للكذب ! يكذب كالحيوان .
- عليّ اللعنة إن لم تكن حقيقة…
- إنها حقيقة مثلما هي حقيقة أن القملة تعسل.
فيضحك ايونا: هىء هىء هىء .. سادة ظرفاء .
ـ فلتخطفك الشياطين! هل ستعجل ايها الوباء العجوز أم لا!
ـ هل هذا سير؟ ناولها بالسوط ! هيا ايها الشيطان! هيا! ناولها جيدا !
ويحس ايونا خلف ظهره بجسد الأحدب المتململ ورعشة صوته ويسمع السبابا الموجه إليه ويرى الناس فيبدأ الشعور بالوحدة ينزاح عن صدره شيئا فشيئا. ويظل الأحدب يسب حتى يغص بسباب منتقى فاحش وينفجر في السعال. ويشرع الطويلان في الحديث عمن تدعى ناديجدا بتروفنا.
ويتطلع ايونا نحوهم وينتهز فرصة الصمت فيتطلع نحوهم ثانية ويدمم:
- اصلاً أنا..هذا الأسبوع..ابني مات!
فيتنهد الأحدب وهو يمسح شفتيه بعد السعال :
- كلنا سنموت..هيا عجل عجل.. يا سادة أنا لا يمكن أن أمضي بهذه الطريقة متى سيوصلنا؟
- حسنا فلتشجعه قليلا… في قفاه !
ـ هل سمعت ايها الوباء العجوز؟ سأكسر لك عنقك! التلطف مع جماعتكم معناه السير على الأقدام….هل تسمع ايها الثعبان الشرير؟ أم أنك تبصق على كلماتنا؟
ويسمع ايونا أكثر مما يحس بصوت الصفعة على قفاه.
فيضحك هىءهىءهىء سادة ظرفاء….. ربنا يعطيكم الصحة
ويسأل أحد الطويلين: يا حوذي هل أنت متزوج؟
- أنا .. هىءهىء…. سادة ظرفاء ! لم يعد لدي الأن إلا زوجة واحدة : الأرض الرطبة؛ أي القبر ! ..ها هو ابني قد مات وانا أعيش….. شيءغريب؛ الموت أخطأ بوابته….. بدلا من أن يأتيني ذهب إلى ابني ….
ويتلفت أيونا لكي يروي كيف مات ابنه ولكن الأحدب يتنهد بارتياح ويعلن أنهم أخيرا، والحمد لله، وصلوا.. ويحصل ايونا على العشرين كوبيكا، ويظل طويلا في أثر العابثين وهم يختفون في ظلام المدخل وها هو وحيد ثانية ومن جديد يشمله السكون…. والوحشة التي هدأت قليلا تعود تطبق على صدره بأقوى مما كان وتدور عينا ايونا بقلق وعذاب على الجموع المهرولة على جانبي الشارع : ألن يجد في هذه الآلاف واحدا يصغي إليه ؟
.. ولكن الجموع تُسرع دون أن تلاحظه أو تلاحظ وحشته؛ وحشة هائلة لا حدود لها.. لو أن صدر ايونا انفجر وسالت منه الوحشة فربما أغرقت الدنيا كلها، ومع ذلك لا أحد يراها.
لقد استطاعت أن تختبئ في صَدفة ضئيلة؛ فلن تُرى حتى في وَضَح النهار…….
يلمح ايونا بوابا يحمل قرطاسا فينوي أن يتحدث إليه ويساله : كم الساعة الآن يا ولدي؟
- التاسعة.. لماذا تقف هنا .. امشِ.
يتحرك عدة أمتار ثم ينحني متقوسا ويستسلم للوحشة…. ويرى أنه لا فائدة بعد من مخاطبة الناس ولكن ما إن تمر بضع دقائق حتى يتعدل وينفض رأسه كأنما أحس بوخزة ألم حادة ويشد اللجام … لم يعد قادرا على التحمل.
ويخاطب نفسه : إلى البيت .. إلى البيت
وكأنما فهمت الفرس أفكاره فتبدأ في الركض بحماس، وبعد حوالي ساعة ونصف يكون ايونا جالسا بجوار فرن كبير قذر، وفوق الفرن وعلى الأرض وعلى الأرائك يتمدد أناس يشخرون، والجو مكتوم خانق…. يتطلع ايونا إلى النائمين، ويحك جلده ويأسف لعودته المبكرة إلى البيت ويقول لنفسه : لم أكسب حتى حق الشعير ولهذا أشعر بالوحشة، الرجل الذي يعرف عمله، الشابع هو وفرسه؛ دائما مطمئن البال..
في أحد الزوايا ينهض حوذي شاب، ويكح بصوت ناعس ويمد يديه إلى الدلو.. فيسأله ايونا:
- أتريد أن تشرب؟
- كما ترى .
- بالهناء والشفاء… أما أنا يا أخي فقد مات ابني هل سمعت؟ هذا الأسبوع في المستشفى…… حكاية!
ويتطلع ايونا ليرى أي تأثير تركته كلماته ولكنه لا يرى شيئا؛ فقط تَغطًى الحَوذي الشاب حتى رأسه وغط في النوم، ويتنهد العجوز ويحك جلده….فمثلما رغب الحوذي الشاب في الشرب يرغب هو في الحديث.. عما قريب يمر أسبوع منذ أن مات ابنه، بينما لم يتمكن حتى الآن من الحديث عن ذلك مع أحد كما يجب……… ضروري أن يتحدث بوضوح على مهل…. ينبغي أن يروى كيف مرض ابنه وكيف تعذب وماذا قال قبل وفاته وكيف مات، ينبغي أن يصف جنازته وذهابه إلى المستشفى ليتسلم ثياب الفقيد، وفي القرية بقيت ابنته أنيسيا….ينبغي أن يتحدث عنها أيضا…. وعوما فما أكثر ما يستطيع أن يروي الآن؛ ولا بد أن يتأوه السامع ويتنهد ويرثى… والأفضل أن يتحدث مع النساء، فهؤلاء وإن كن حمقاوات يوَلونْ من كلمتين.
ويقول ايونا لنفسه : فلأذهب لأتفقد الفرس…..وفيما بعد سأشبع نوماً .. يرتدي الملابس ويذهب إلى الاصطبل حيث تقف الفرس ويفكر في الشعير والدريس و الجو فعندما يكون وحده لا يستطيع أن يفكر في ابنه….يستطيع أن يتحدث عنه مع أحد، وأما أن يفكر فيه ويرسم لنفسه صورته فشيء رهيب لا يطاق…. ويسأل أيونا فرسه عندما يرى عينيها البراقيتين
- تمضغين؟ حسنا امضغي أمضغي .. ما دمنا لم نكسب حق الشعير فسنأكل الدريس…نعم أنا كبرت على القيادة، كان المفروض أن يسوق ابني لا أنا، كان حوذيا أصيلا لو أنه فقط عاش…… ويصمت أيونا بعض الوقت ثم يواصل :
- هكذا يا أخي الفرس، لم يعد كوزما أيونيتش موجوداً… رحل عنا….فجأة .. خسارة.. فلنفرض مثلا أن عندك مهراً وأنت أم لهذا المهر…… ولنفرض أن هذا المهر رحل فجأة، أليس مؤسفاً؟.
وتمضغ الفرس وتنصت وتزفر على يدي صاحبها، ويندمج أيونا فيحكي لها كل شيء.

توقيع April

الوحيد لا يطرق باب منزله عندما يعود .










 

رد مع اقتباس
قديم 25-02-2012, 10:41 PM
مشاركة رقم المشاركه : 18
April
حَرفهُ أمنية
الملف الشخصي






April غير متواجد حالياً

 

المغفلة / أنطون تشيخوف .


منذ أيام دعوتُ إلى غرفة مكتبي مربّية أولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع لها حسابها
قلت لها: اجلسي يايوليا.. هيّا نتحاسب.. أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبينها بنفسك.. حسنا.. لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر.
قالت: أربعين..
قلت: كلا، ثلاثين.. هذا مسجل عندي.. كنت دائما أدفع للمربيات ثلاثين روبلاً.. حسناً، لقد عملت لدينا شهرين.
قالت: شهرين وخمسة أيام.
قلت: شهرين بالضبط.. هكذا مسجل عندي.. إذن تستحقين ستين روبلاً.. نخصم منها تسعة أيام آحاد.. فأنت لم تعلّمي كوليا في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط.. ثم ثلاثة أيام أعياد.
تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن.. لم تنبس بكلمة

واصلتُ: نخصم ثلاثة أعياد، إذن المجموع اثنا عشر روبلا.. وكان كوليا مريضاً أربعة أيام ولم تكن دروس.. كنت تدرسين لفاريا فقط.. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء.. إذن اثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. واحد وأربعون روبلا.. مضبوط؟
احمرّت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلئت بالدمع، وارتعش ذقنها.. وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة

قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانا وطبقا.. نخصم روبلين.. الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض.. وبسبب تقصيرك تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته.. نخصم عشرة.. وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من فاريا حذاء.. ومن واجبك أن ترعي كل شئ، فأنتِ تتقاضين مرتباً.. وهكذا نخصم أيضا خمسة.. وفي 10 يناير أخذتِ مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا: لم آخذ
قلت: ولكن ذلك مسجل عندي
قالت: حسناً، ليكن
واصلتُ: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين.. الباقي أربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع.. وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل.. ياللفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ غيرها
قلت: حقا؟ انظري، وأنا لم أسجل ذلك! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة، الباقيأ حد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي
ومددت لها أحد عشر روبلا.. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة.. وهمست: شكراً

انتفضتُ واقفا واخذتُ أروح واجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب
سألتها: شكراً على ماذا؟
قالت: على النقود
قلت: يا للشيطان، ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكراً؟
قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا..
قلت: لم يعطوكِ؟! ليس هذا غريبا! لقد مزحتُ معك، لقنتك درسا قاسيا.. سأعطيك نقودك، الثمانين روبلا كلها! هاهي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟
ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: يمكن .
سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، الثمانين روبلا كلها.. فشكرتني بخجل وخرجت تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ: ما أسهل أن تكون قوياً في هذه الدنيا!

رد مع اقتباس
قديم 25-02-2012, 10:46 PM
مشاركة رقم المشاركه : 19
April
حَرفهُ أمنية
الملف الشخصي






April غير متواجد حالياً

 

دموع لايراها العالم / أنطون تشيخوف .


" - آه يا سادة يا كرام لو نتعشى الآن ..
قال القائد العسكري المقدم ريبروتيوسوف , وهو رجل طويل نحيف كعمود البرق , وكان خارجاً من النادي مع جماعة من أصحابه ذات ليلة مظلمة من شهر أغسطس . ومضى يقول :
- في المدن المحترمة , مثل ساراتوف , يمكنك دائماً أن تتعشى في النادي , أما هنا , في مدينتنا العفنة تشيرفيانسك , فبخلاف الفودكا والشاي بالذباب لا تحصل على شيء . ليس هناك ما هو أسوأ من أن تشرب ولا تجد ما تمز به !
- نعم لا بأس الآن بشيء ما , هكذا يعني .. – أمَّن مفتش المعهد الديني إيفان إيفانيتش دفويتوتشيف وهو يلتف بمعطفه الأصفر اتقاء للريح – الساعة الآن الثانية , والحانات مغلقة , آه لو يعني فسيخة مملحة .. أو فطر مخلل .. أو يعني شيء ما هكذا .
وحرك المفتش أصابعه في الهواء , ورسم على وجهه أكلة , يبدو أنها شهية جداً , لأن كل من نظروا إلى وجهه لعقوا شفاههم . وتوقفت الجماعة عن السير وأخذت تفكر . وفكرت طويلاً , ولكن تفكيرها لم يتفتق عن شيء يؤكل . واضطرت إلى الاكتفاء بالأحلام فقط .
وتنهد نائب مأمور المركز بروجينا بروجينسكي وقال :
- ياله من ديك رومي عظيم ذلك الذي أكلته بالأمس عند جولوبيسوف .. بالمناسبة يا سادة , ألم يزر أحد منكم وارسو ؟ هناك يفعلون هكذا .. يأخذون سمك الشبوط العادي , وهو حي .. يتلوى , ويلقون به في اللبن .. ويظل هذا الوغد يعوم في اللبن يوماً , وبعد ذلك يغمسونه في القشدة ويقلونه في مقلاة تطشطش .. وعند ذلك لا حاجة يا أخي لأناناسك ! أي والله .. خاصة إذا شربت كأساً أو كأسين .. تأكل ولا تحس . كأنك في غيبوبة .. الرائحة وحدها تجنن !
فأردف ريبروتيوسوف بنبرة مشاركة قلبية :
- فإذا أضفت إليه خياراً مملحاً .. عندما كنا معسكرين في بولندا كان يحدث أن تحشر في جوفك حوالي المائتين من البيلميني مرة واحدة .. تملأ بها طبقاً كاملاً , وترش عليها الفلفل والبقدونس و .. لا أستطيع أن أعبر لكم !
وتوقف ريبروتيوسوف فجأة واستغرق في التفكير . تذكر حساء السمك الذي أكله عام 1856 في دير الثالوث الأقدس . وكانت ذكرى الحساء لذيذة إلى درجة أن القائد العسكري شم فجأة رائحة السمك وحرك فكيه لا إرادياً ولم يلحظ تسرب الوحل إلى خف حذائه .
وقال :
- كلا , لا أستطيع , لا أستطيع أن أصبر أكثر !
سأذهب إلى البيت وأمتع نفسي . اسمعوا يا سادة , فلتأتوا معي ! أي والله ! لنشرب كأساً , ونمز بما رزقنا به الله من خيار , مرتدلة .. ونشعل السماور .. هه ؟ لنمز , ونتحدث عن الكوليرا , ونتذكر ما مضى .. زوجتي نائمة الآن , لن نوقظها .. سنجلس في هدوء .. هيا بنا !
ولا حاجة لوصف الإعجاب الذي قوبل به هذا العرض . يكفي فقط أن أقول إنه لم يكن لدى ريبروتيوسوف في أي وقت مضى مثل هذه الكثرة من الخيِّرين كما لديه في تلك الليلة .
- سأقطع أذنيك .. – قال القائد العسكري لجندي المراسلة وهو يدخل بالضيوف إلى غرفة الجلوس المظلمة . – قلت لك ألف مرة يا حيوان أن تشعل البخور عندما تنام في المدخل . اذهب يا غبي وأشعل السماور , وقل لإيرينا أن تحضر الـ .. أن تحضر من القبو خيارا وفجلا .. ونظف بعض الفسيخ .. وقطّع البطاطس دوائر .. والبنجر أيضاً .. وكل هذا صب عليه الخلّ والزيت , يعني , والمسطردة أيضا .. ورش الفلفل فوقه .. بإختصار طبق مزة .. مفهوم ؟
وحرك ريبروتيوسوف أصابعه مصوراً الخلطة , وأضاف إلى المزة بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يضيفه بالكلمات .. وخلع الضيوف أخفافهم ودلفوا إلى القاعة المظلمة . وأشعل صاحب البيت عود ثقاب ففاحت رائحة الكبريت , وأضاء الجدران المزينة بهدايا مجلة " نيفا " ومناظر البندقية وصورتين للكاتب لاجيتشنيكوف وجنرال ما بعينين مدهوشتين للغاية .
- حالا حالا .. – همس رب الدار وهو يوسع المنضدة بهدوء . – سأعد المائدة ثم نجلس .. ماشا زوجتي مريضة اليوم .. أرجو المعذرة إذاً .. عندها مرض نسائي ما .. الدكتور جوسين يقول إن ذلك بسبب أكل الصيام .. جائز جداً ! ولكني أقول لها : " يا روحي , ليست المسألة في الأكل ! ليست المسألة فيما يدخل الفم بل فيما يخرج من الفم .. فأنت تأكلين أكل الصيام , ولكنك عصبية كما كنت .. وبدلا من أن تتعبي جسدك , الأفضل أن لا تغضبي , وألا تتفوهي بكلمات .. " ولكنها لا تريد حتى أن تسمع ! تقول : " لقد تعودنا على ذلك منذ الصغر " .
ودخل جندي المراسلة ومد عنقه وأسر بشيء ما في أذن رب الدار . ولعَّب ربيروتيوسوف حاجبيه ..
ودمدم بصوت كالخوار :
- همم .. نعم .. همم .. هكذا .. عموماً بسيطة , حالاً سأعود .. دقيقة واحدة .. ماشا أوصدت القبو والخزائن في وجه الخدم وأخذت المفاتيح . ينبغي أن أذهب لأحضرها .
وصعد ريبروتيوسوف على أطراف أصابعه , وفتح الباب بهدوء , ودخل على زوجته .. كانت نائمة .
وقال وهو يقترب بحذر من السرير :
- يا ماشا ! استيقظي دقيقة واحدة يا ماشا !
- من ؟ أهو أنت ؟ ماذا تريد ؟
- أنا يا ماشنكا بخصوص الـ .. أعطيني يا ملاكي المفاتيح ولا تقلقي .. نامي مطمئنة .. أنا سأهتم بهم .. سأعطي كلا منهم خيارة , ولن أبدد أكثر من ذلك شيئاً , أقسم لك , هناك دفويتوتشيف , أتدرين , وبروجينا بروجينسكي وآخرون , كلهم أشخاص رائعون , محترمون في المجتمع , أتدرين بروجينسكي يحمل وسام فلاديمير من الطبقة الرابعة .. أوه كم يحترمك .
- أين سكرت إلى هذا الحد ؟
- ها أنت ذي تغضبين , يا سلام عليك ! سأعطي كلا منهم خيارة وسينصرفون , أنا سأهتم بهم ولن نزعجك أبداً .. نامي يا لعبتي .. هه ؟ وكيف صحتك ؟ هل جاء جوسين في غيابي ؟ انظري , ها أنا ذا أقبل يديك , والضيوف كلهم , كم يحترمونك .. دفويتوتشيف رجل متدين , أتدرين .. وبروجينا , والصراف أيضاً .. كلهم يكنون لك أطيب المشاعر .. يقولون " ماريا بتروفنا ليس امرأة بل شيء عسير على الفهم .. إنها كوكب إقليمنا " .
- ارقد ! كفاك هذرا ! يسكر هناك في النادي مع صعاليكه ثم يروح يغلي طول الليل ! ألا تخجل ! عندك أولاد !
- أنا .. عندي أولاد , ولكن أرجوك ألا تغضبي يا ماشا .. لا تحزني , أنني أقدرك وأحبك , والأولاد إن شاء الله سأدبر أمورهم , ميتيا سأدخله المدرسة . لا أستطيع أن أطردهم , لا يليق , جاءوا ورائي وطلبوا أن يتعشوا . قالوا : " نريد أن نأكل , أطعمنا " . دفويتوتشيف وبروجينا بروجينسكي . ناس ظرفاء جداً , كم يقدرونك ويعطفون عليك . فلنعط كلا منهم خيارة , وكأساً , وليمضوا في سبيلهم .. أنا سأتكفل بهم .
- اللعنة ! ماذا , هل جننت ؟ أي ضيوف في هذه الساعة ؟ ألا يخجلون , هؤلاء الشياطين المتسولون , يزعجون الناس في الليالي ! من سمع بضيوف يأتون في الليل ؟ هل يظنون بيتنا حانة ؟ سأكون حمقاء لو أعطيتك المفاتيح ! فليفيقوا وليعودوا غداً .
- همم .. هلاّ قلت هذا من البداية . إذاً لما تذللت أمامك , إذاً فأنت لست بشريكة العمر , لست سلوى زوجك كما جاء في الكتاب , بل .. من العيب أن أقول .. كنت أفعى وظللت أفعى .
- آه .. وتشتم أيضاً يا وغد ؟
ونهضت الزوجة و .. حك القائد العسكري خدّه , ومضى يقول :
- ميرسي .. صحيح ما قرأته في إحدى المجلات : " بين الناس قديس , ومع زوجها إبليس " . عين الحقيقة . كنتِ إبليس , وظللت إبليس ..
- خذ , خذ !
- اضربي , اضربي .. اضربي زوجك الوحيد ! ولكني أرجوك , أتوسل إليك .. يا ماشا , سامحيني ! أعطيني المفاتيح ! ماشا , يا ملاكي ! يا معذبتي الشريرة , لا تفضحيني أمام الناس ! أيتها المتوحشة , إلى متى ستعذبينني ؟ اضربي , اضربي .. أرجوك , بل أتوسل إليك !
واستمر حديث الزوجين بهذه الصورة الطويلة , ركع ريبروتيوسوف على ركبتيه , وبكى مرتين , وسبّ وهو يحك خده بين الحين والحين . وانتهى الأمر بأن نهضت زوجته وبصقت عليه وقالت :
- يبدو أنها لن تكون نهاية لعذابي ! أعطني فستاني من على المقعد أيها الكافر !
وقدم لها ريبوتيوسوف الفستان بحرص , وسوى شعره , وذهب إلى ضيوفه . كان الضيوف واقفين أمام صورة الجنرال يتطلعون إلى عينيه المندهشتين وهم يقررون مسألة : من الأكبر , الجنرال أم الكاتب لاجيتشينكوف ؟ وكان دفويتوتشيف في صف لاجيتشنيكوف , مشدداً على الخلود . أما بروجينسكي فقد قال :
- بالطبع هو كاتب جيد , لا شك في هذا . ويكتب فيثير الضحك والشفقة , ولكن لو أرسلته إلى الجبهة فلن يستطيع قيادة حتى سرية , أما الجنرال فلتعطه ولو فيلقاً كاملاً , لن يهمه .
وقال رب الدار وهو يدخل مقاطعاً :
- زوجتي ماشا ستأتي الآن , حالاً .
- لقد أزعجناكم حقاً , يا فيودر أكيميتش , ماذا حدث لخدك ؟ يا إلهي , وتحت عينك كدمة ! أين حصلت على هذا ؟
فقال رب الدار محرجاً :
- خدي ؟ أين خدي ؟ آه , نعم .. لقد ذهبت الآن إلى ماشا متسللا , أردت أن أخيفها , وإذا بي أصطدم في الظلام بالسرير ! ها .. ها .. هاهي ذي ماشا , أوه كم أنت مشعثة يا عزيزتي ! مثل لويزا ميشيل تماماً !
دخلت ماريا بتروفنا إلى القاعة , مشعثة الشعر , نعسانة , ولكنها متهللة ومرحة . وقالت :
- هذا لطيف منكم إذ جئتم إلينا ! إذا كنتم لا تأتون إلينا في النهار فشكراً لزوجي الذي جاء بكم ولو ليلاً . كنت نائمة وإذا بي أسمع أصواتاً .. فقلت لنفسي : " يا ترى من هؤلاء ؟ " .. لقد أمرني فيديا أن أرقد وألا أخرج , ولكني لم أطق .
وهرولت الزوجة إلى المطبخ وبدأ العشاء ..
وعندما خرجوا بعد ساعة من دار القائد العسكري قال بروجينا بروجينسكي وهو يتنهد :
- ما أطيب أن تكون متزوجاً ! تأكل عندما تريد , وتشرب وقتما تشاء .. وتعلم أن هناك مخلوقاً يحبك .. ويلعب لك على البيانو شيئاً ما , هكذا .. ما أسعد ريبروتيوسوف !
أما دفويتوتشيف فلزم الصمت . كان يتنهد ويفكر . وعندما وصل إلى البيت وراح يخلع ملابسه , تنهد بصوت عال حتى أنه أيقظ زوجته .
- لا تدق بحذائك أيها الرحى ! – قالت زوجته – تمنعني من النوم . يشرب حتى السكر في النادي ثم يثير الضجة , هذا المسخ !
فتنهد المفتش قائلاً :
- لا تعرفين سوى السباب ! لو أنك رأيت كيف يعيش آل ريبروتيوسوف ! ما أروع حياتهم ! عندما ينظر المرء إليهم يود لو يبكي من التأثر . أنا وحدي التعيس إذ بليت بشمطاء مثلك . أفسحي !
وتغطى المفتش بالبطانية , ونام وهو يشكو في سره حظه البائس "

رد مع اقتباس
قديم 05-03-2012, 08:26 AM
مشاركة رقم المشاركه : 20
" ترنيمة الغيم "
ناقدة سينمائيه
 
الصورة الرمزية " ترنيمة الغيم "
الملف الشخصي






" ترنيمة الغيم " غير متواجد حالياً

 


April


أحببت قصة دموع لا يراها أحد

فعلا " الأمور ليست دائما كما تبدو عليه"

و المغفلة.. ظللت أنعت رب عملها باللئيم و أن اقرأ الأسطر حتى جاءت لحظة التنوير

أنطوان تشيخوف

أعماله تحتاج إلى وقفة


*****
مغلق للتحسينات

لفراس عالم

تقدمت نحو الباب ..حاولت فتحه مباشرة .

لم ينفتح..

بادرت بطرقه بقوة ..صدمتها عبارة معلقة..

(مغلق للتحسينات )

أول مرة يغلق في وجهها هذا الباب ..مستحيل…عاودت الطرق بشدة

لا جواب.

"المسألة مسألة تحدي"

هكذا حدثت نفسها ..أي تحسينات هذه ؟..إنه لا يريد أن يفتح…فقط… لا يريد. إن كل شئ بالداخل هو

ملكها..صياغة يدها وترتيب فكرها ..كيف يجرؤ على إغلاق الباب ..؟

ولماذا؟ للتحسينات..!!

رفعت قبضتها لتحطم الباب هذه المرة ..صدمتها العبارة المعلقة..

(مغلق لأعمال الديكور)

"المسألة مسألة وقاحة.."

هل وصل الأمر إلى مرحلة الديكور ؟ كيف يجرؤ ؟ ومنذ متى كان يعرف أن الديكور يجب أن يتغير ..؟

وكل هذا دون علمها …لا..لقد تهاونت كثيراً ..يجب أن تحطم الباب ..يجب.

رفعت كلتا قبضتيها لتهوي على الباب ..صدمتها العبارة المعلقة

(مفتوح ..تفضل بالدخول)

"المسألة مسألة تنازل"

هكذا حدثت نفسها ..كظمت غيظها ،أرحت قبضتيها ..حافظت على انقباض أصابعها ،دفعت الباب

ودخلت
..

ثم..

غير معقول ..ليس هذا هو المكان ، لقد تغير كثيراً ،ليس فيه شئ مما تحبه ..المقاعد ،الإضاءة ،

وضع المنضدة والزهور
..

لاشيء يعجبها في هذا كله ..صرخت

"ما هذا ..كيف حدث كل هذا ؟أنا لا يناسبني ذلك.."

"عفواً سيدتي ولكنه يناسبني .."

كان صوتاً عميقاً قادماً من كل أنحاء الغرفة ..بهتت أخذت تتطلع بحثاً عن مصدر الصوت ..

في حين تابع الصوت

" يناسبني لأنه يخصني.."

تهاوت قبضتاها إلى أسفل ..تدلى رأسها الشامخ في وهن ، في حين تراخى جفناها في استسلام ،

هزت رأسها يمنة ويسرة ثم ولت منصرفة
.

أول مرة تدرك أن المكان…لم يعد ملكها .رفعت رأسها إلى اللافتة المعلقة منذ القدم ..

اللافتة التي لم تظهر إلا مع أعمال الديكور
..

كانت معلقة على الباب تقول:

"هذا المكان …هو قلب رجل".

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الأيام الأخيرة من آب, عبد الرحمن منيف, قصص قصيرة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

"خالص الشكر والتقدير للرسام: ابراهيم الوهيبي "

الساعة الآن 04:48 AM



العاب بنات

كلمات البحث

مسلسل نور حلقات مسلسل نور تحميل حلقات مسلسل نور مشاهدة حلقات مسلسل نور سنوات الضياع مسلسل سنوات الضياع حلقات مسلسل سنوات الضياع تحميل حلقات مسلسل سنوات الضياع مشاهدة حلقات سنوات الضياع شاعر المليون 3  حلقات شاعر المليون 3 مشاهدة حلقات شاعر المليون 3 تحميل حلقات شاعر المليون 3 ملابس نسائيه سهره مكياج make up تحميل كتب الهلال - النصر - ياسر القحطاني السعودي اهداف - لقطات - تغطيات برامج - كراك - سيريل نمبر كيجين ثيم- ثيمات - جوال -ألعاب جوال - برامج جوال - نوكيا سوني اركسون Sony Ericsson Nokia   N80 6630 N71 E60 N93 N73 N70 N72 N95 المطور N91 وظائف - شركات - مؤسسات -ترفيان - travian - العاب اون لاين - ألعاب حرب مسلسلات رمضانيه - طاش - باب الحاره - بيني وبينك - عيال قرية




المواضيع والردود اللي فيذا لاتعبر عن راي حارة المساطيل بل تعبر عن زحف وتنسيم كاتبها
 
Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.0.0
designed by : Example4D